القلم في وجه البندقية.. معلم سوداني وقّع الاتفاق مع الجنرالات

أحمد ربيع يصافح الفريق محمد حمدان حميدتي بعد توقيع الاتفاق (الأناضول)
أحمد ربيع يصافح الفريق محمد حمدان حميدتي بعد توقيع الاتفاق (الأناضول)
الجزيرة نت-خاص
 
مثّل توقيع المعلم السوداني أحمد ربيع على توقيع وثيقة الاتفاق السياسي بين قوى إعلان الحرية والتغيير والمجلس العسكري الأربعاء بالخرطوم إنابة عن قوى الثورة حدثا فريدا، كما عبر عن ذلك كثير من السودانيين، ورسالةً من تجمع المهنيين السودانيين مفادها إنصاف المعلمين "الذين شردهم نظام البشير"، فكان المعلم الذي تصدى للتوقيع في مقدمتهم.

إذ إنه وفي مناسبات شبيهة، يتوقع السودانيون قيام شخصيات سياسية وحزبية معينة بهذه المهمة، ولهذا حمل ظهور ربيع على المنصة معاني كثيرة عبرت عنها تعليقات السودانيين، وأكدت مكانة العلم و"تمثيل إجماع غالبية الشعب".

ولكن، رغم ذلك وبالنسبة لمسيرة التفاوض المتعثرة بين قوى إعلان الحرية والتغيير والمجلس العسكري، كان من المتوقع أن تختلف الآراء حول الخطوة.

ورغم أن الاتفاق بدا لكثيرين كأنه بارقة أمل بعد عثرات عديدة في مسار التفاوض بين الطرفين، فإن الاتفاق قوبل برفض من بعض مكونات قوى التغيير؛ مما جعل توقيع المعلم عليه يصطبغ بمناخات السياسة المشحونة بالتوتر.

اعتقال متكرر
حصل أحمد ربيع سيد أحمد على درجة البكالوريوس عام 2003، وعلى درجة الماجستير في العلوم الرياضية عام 2007 من جامعة الجزيرة.

ويعمل ربيع أستاذًا لمادتي الرياضيات والفيزياء بإحدى مدارس محلية شرق النيل بولاية الخرطوم، وهو عضو مؤسس للجنة المعلمين التي تنضوي تحت لواء تجمع المهنيين السودانيين، وهو الكيان النقابي داخل قوى إعلان الحرية والتغيير.

تعرض المعلم ربيع للاعتقال مرات عديدة خلال أحداث الثورة، ويحظى بتقدير كبير داخل قوى التغيير؛ مما أهله لتمثيل قوى الثورة والتوقيع مع نائب رئيس المجلس العسكري، الفريق أول محمد حمدان (حميدتي) على الوثيقة.

وكتبت على صفحتها في فيسبوك الدكتورة فدوى عبد الرحمن علي طه، وهي من الأسماء المرشحة لعضوية مجلس السيادة، أن توقيع المعلم ربيع جعل عينيها تمتلئان بالدمع، وأنها في تلك اللحظات تذكرت "المعلم عبد الرحمن علي طه، وبخت الرضا، وكل معلمي بلادي والتعليم في عهده الزاهر".

أحمد ربيع أثناء توقيعه الاتفاق (رويترز)

وجه الثورة
ويقول سامي القريش (معلم بالمدارس الثانوية بولاية الخرطوم) إن المعلم أحمد ربيع وجه مشرق للثورة السودانية، وإن صعوده لمنصة التوقيع إنابة عن قوى التغيير له معانٍ كثيرة، في مقابلة الطرف الآخر.

وعلى حد تعبيره، فإن تمثيل المعلم لقوى الثورة "يعبر عن توازن القوى الفعلي على الأرض".

ويستدرك القريش هذه الإشارة بقوله إن توقيع الوثيقة كان مثار خلاف بين قوى الثورة، وإن "تفويض المعلم أحمد ربيع بالتوقيع تم من بعض مكونات قوى التغيير في لحظة فارقة من لحظات التاريخ".

ويحدد المعلم بالمعاش محمد أبو قرون تلك الجهات بأنها "نداء السودان، والحزب الجمهوري، والحزب الاتحادي الديمقراطي".

ويرى أبو قرون أن المجلس العسكري أراد الاحتفاء بتوقيع الوثيقة "كي يضمن موافقة المهنيين عليها، رغم أن التوقيع تم باسم قوى إعلان الحرية والتغيير".

تفسيرات متباينة
وما جعل لتوقيع المعلم معاني شتى ذهاب بعض المدونين لتفسير تصدي المعلم ربيع لتلك المهمة بأنه كان مخرجًا للخلافات البينية الظاهرة داخل قوى التغيير، وهو ما يرفضه الإعلامي طارق جبريل بقوله إن الاختيار وقع على المعلم "ليس لأن الاتفاق مختلف عليه بين السياسيين المحترفين، بل لكون اختيار معلم لهذه المهمة ينطوي على إشارات بإعلاء قوى الثورة شأن القطاع الخدمي، وفي مقدمته قطاع التعليم".

ويقول جبريل إن قوى التغيير أرادت "إرسال رسالة مفادها أن التعليم والمعلم هما حجر الأساس في أي تنمية قادمة".

ويربط جبريل بين توقيع ربيع للوثيقة، ومقتل المعلم أحمد الخير تحت التعذيب بولاية القضارف في بدايات الثورة، بقوله "إن تجمع المهنيين أكد بهذا الاختيار مكانة المعلم، وأن مقتل أحمد الخير بتلك الطريقة البشعة ما زال حاضرًا في أذهان الشعب السوداني".

ويضيف أنه "اختيار فيه تقدير مستحق للطباشيرة؛ باعتبارها أداة التوعية وبناء المستقبل، واعتراف بمكانة القطاع المهني داخل قوى التغيير"، وهي مكانة -من وجهة نظره- ربما تفوق مكانة القيادات الحزبية"؛ لأن قيادات المهنيين كان لها الدور الرئيسي في الحراك الشعبي الذي أسقط نظام البشير".

إعادة اعتبار العلم
ويقول الناطق الرسمي لحزب المؤتمر السوداني محمد عربي للجزيرة نت "ليس غريبًا أن تسند قوى التغيير توقيع الاتفاق إلى أحد قادة لجنة المعلمين، لأن في ذلك تأكيدا بأن المرحلة القادمة هي مرحلة إعادة الاعتبار للعلم والمعلم والمدرسة".

ويضيف "ليس هناك خلاف بين قوى التغيير على اختيار معلم لهذه المهمة، لكن هناك اختلافا حول محتويات الوثيقة نفسها، لأن بعض مكونات قوى الحرية والتغيير رأت إرجاء توقيع الاتفاق النهائي لحين الفراغ من صياغة الإعلان الدستوري".

وتبدي الناشطة الحقوقية خنساء الكارب اعتراضها الكامل على توقيع الوثيقة، وتصف ما حدث بأنه "لم يكن إنصافًا للمعلم، بل كان مقارنة العلم بالجهل، أو كأنهم يريدون القول إن مصافحة الجهل فضيلة"، على حد تعبيرها.

وتتهم الكارب قوى الثورة المضادة بأنها "أرادت من خلال التعجل بتوقيع الوثيقة تشتيت وحدة قوى الحرية والتغيير، وإيقاع رموزها في فخ الخيانة".

تمثيل الشعب
من جهته، يصف الخبير القانوني الدكتور عبد العظيم حسن الخبير ظهور المعلم أحمد ربيع على منصة التوقيع بأنه كان "إنابة عن الإجماع السكوتي لأغلب الشعب، لما تحمله من رمزية المعلم، وتعبيرًا صادقًا عما تنادي به قوى التغيير، من أنها تستهدف بناء دولة العلم والتعليم".

ويعتبر التوقيع بقلم المعلم -من وجهة نظره- الدليل على أن السودان ذاخر بالكفاءات، وأن القيادة لم تعد حكرًا على أسماء سياسية أو حزبية في مجتمع ما بعد الثورة.

ويلاحظ الدكتور حسن أن رئيس المجلس العسكري ونائبه يتبادلان الأدوار، مثلما تفعل قيادات قوى التغيير، حيث يتوقع أن يمهر الفريق البرهان الوثيقة الدستورية، ليأتي ممثل آخر لقوى الحرية والتغيير للتوقيع على الاتفاق الشامل الذي يؤسس لحكم المرحلة الانتقالية.

المصدر : الجزيرة