إحياء مطلب تجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر.. أي دلالات؟

إعادة إحياء المشروع اعتبر "إشارة قوية" من الجزائريين لفرنسا (الأوروبية-أرشيف)
إعادة إحياء المشروع اعتبر "إشارة قوية" من الجزائريين لفرنسا (الأوروبية-أرشيف)

عبد الحكيم حذاقة-الجزائر

عاد مطلب تجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر إلى الواجهة مع اندلاع الحراك الشعبي في 22 فبراير/شباط الماضي، حيث تصاعدت شعارات القطيعة مع فرنسا.

وفي الذكرى 74 لمجازر الثامن من مايو/أيار 1945، شدّدت القوى المدنيّة والحزبيّة على هذا المطلب، كما طالب الأمين العام لمنظمة المجاهدين محند واعمر بن الحاج، الاثنين الماضي، رئيس البرلمان الجديد سليمان شنين بتفعيل مشروع قانون بهذا الشأن.

ويعد تجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر واحدا من أخطر "قضايا الذاكرة التاريخية الوطنية" في البلاد، وسبق أن تلقى البرلمان الجزائري خمسة مشاريع قوانين بشأنه، لكنها لم تقر.    

ويعود آخر مشروع قانون مقدم إلى البرلمان بهذا الشأن إلى مطلع 2010، حين اقترح النائب موسى عبدي، عن جبهة التحرير الوطني (الحزب الحاكم تاريخيا)، مشروع قانون تضمن ثلاثة أقسام؛ تتعلق بالأسباب التاريخية، والحيثيات القانونيّة، والمواد القضائية الخاصة بحقوق الإنسان في المعاهدات الدولية.

تجريم الاستعمار "رسالة إلى ماكرون
بأن الزمن التاريخي قد تغير" (الجزيرة)

ومن أبرز مواد مشروع القانون "إنشاء محكمة جنائية جزائرية، لمحاكمة مجرمي الحرب طيلة 132 سنة من الاستعمار"، لكن المشروع "ظل مجمّدا بأوامر مباشرة من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة"، وذلك حسب ما كشفه لاحقا رئيس البرلمان عبد العزيز زياري، الذي أعلن في 24 سبتمبر/أيلول 2010 دفن المقترح، بمبرّر "الاعتبارات القانونية والدولية الدبلوماسية".
 
مسألة مهمة
وبشأن هذا المطلب، يرى المؤرخ محمد ولد سي قدور القورصو أنّ "إحياء ملف تجريم الاستعمار مسألة مهمة مبدئيا، حتى لو تعنّت الجانب الفرنسي، لأنّ ذلك لا يهمّ الجزائريين، بقدر ما تهمّهم مواقفهم المبدئية".

ويؤكد المؤرخ الجزائري أن من حق مواطنيه أن "يحاكموا فرنسا ولو رمزيا، حتى لا تبقى جرائمها دون عقاب، لأن للرمزية التاريخيّة مكانتها، فهي رسالة للأجيال".

ويعتبر أن العلاقة مع فرنسا "لا تزال احتلالية استعمارية تخترق الزمن التاريخي، فهي تتدخل في الشؤون غير المرئية للجزائريين، وهذا يشكل خطرا بالنسبة للمستقبل.

ويؤكد القورصو أن إعادة إحياء المشروع "إشارة قوية من الجزائريين، وتحذير ممّا تقوم به فرنسا في المنطقة، حتى نكبح تدخلها في مصالحنا، بل تنبيه للرئيس إيمانويل ماكرون الذي يتبنى مواقف الاستعمار الجديد في التدخل الثقافي والاقتصادي والدبلوماسي، لإشعاره بأنّ الزمن تغيّر بشكل قوي"، لكنه نبه إلى أن هناك "تبعية ثقافية وأيديولوجية وحضاريّة لدى المسؤولين تعطّل تمرير المشروع". 

عميمور دعا إلى التريث حتى تنظم
الجبهة الداخلية
(الجزيرة)

التقية السياسية
من جهته، دعا الدبلوماسي الجزائري السابق محيي الدين عميمور إلى "ضرورة التريث في التعامل مع هذه القضية ومثيلاتها"، مستشهدا بمثل جزائري يقول "إخراج السيف عيْب، وإعادته بدون مقدرة على استعماله عيبان". 

ويرى عميمور أن "مواقف حاسمة كهذه تتطلب أن نكون في موقع قوة في كل المجالات، وعلى كل المستويات، وتفرض الابتعاد عن التصرفات التي يعرف الجانب المقابل أنها تظاهرات صوتية شعبوية، خاصة إذا كان ذلك الجانب يملك وجودا داخليا قد يقوم بدور حصان طروادة، ولو بالتعامل السلبي مع الهدف المطلوب".

وينصح الدبلوماسي السابق بـ"الانتظار إلى أن نتمكن من تنظيم جبهتنا الداخلية، بدءا بانتخاب رئاسة قوية، وبأحزاب يعاد تطهيرها وتنظيمها، وبمجتمع مدني يعكس إرادة جماهيرية واعية، وبذلك يمكن أن تنجح عملية تاريخية تأخرت طويلا لضعف جبهتنا الداخلية".

ويؤكد السفير السابق أنه "لا مانع الآن من أن يواصل الضغط كل من يستطيع الضغط، فهذا جزء من عملية توزيع الأدوار، لكنه يتطلب ابتعاد السلطات العليا عن كل ما يمكن أن يعد استفزازا للآخر، خاصة في قضية اللغة الفرنسية، وهي قضية إستراتيجية بالنسبة للمستعمر السابق، وكذلك في المجال الاقتصادي". وخلص إلى القول "ببساطة، علينا ممارسة التقية السياسية".

وكان وزير المجاهدين الطيب زيتوني استبعد في تصريحات أدلى بها في مايو/أيار الماضي إعادة بعث قانون تجريم الاستعمار على مستوى حكومة تصريف الأعمال الحالية"، مؤكدا في الوقت نفسه "تمسّك الجزائر بموقفها المصر على ربط العلاقات الثنائية مع فرنسا بتسوية ملفات الذاكرة العالقة بين الجانبين".

المصدر : الجزيرة