فورين بوليسي: ترامب يُجْهز على سمعة أميركا

العضوات الأربع بالكونغرس اللائي دعاهن ترامب "للعودة من حيث أتين" (الفرنسية)
العضوات الأربع بالكونغرس اللائي دعاهن ترامب "للعودة من حيث أتين" (الفرنسية)

كتب مايكل هيرش كبير مراسلي مجلة فورين بوليسي أن اضمحلال القوة الناعمة للولايات المتحدة لم يبدأ مع الرئيس دونالد ترامب، لكنه عجّل بذلك بتغريداته "العنصرية" التي نشرها هذا الأسبوع.

وذكر -في مقاله بالمجلة التي تُعنى بقضايا السياسة الخارجية- أن الأمر يبدو "نشازا" بعض الشيء عندما يستمع المرء لمذيعي نشرات الأخبار يتطرقون هذا الأسبوع لتغريدات ترامب العنصرية، ثم بعد هنيهة يتحدثون عن الذكرى الخمسين لهبوط مركبة الفضاء "أبوللو 11" على سطح القمر.

فهل كان أولئك المذيعون يتكلمون عن نفس الدولة؟ يتساءل الكاتب الذي يشغل منصب نائب رئيس تحرير الأخبار بالمجلة الأميركية.

أوج القوة الناعمة
يقول هيرش إن "الصور المشوشة" -التي بثتها أبوللو 11 لرائد الفضاء نيل آرمسترونغ في ذلك الوقت وهو يسير بخطوات "وئيدة" على سطح القمر- مثلت إحدى "اللحظات المضيئة" لقوة أميركا الناعمة والتي تعني النفوذ العالمي لأفكارها وقيمها وقدرتها على إقناع الدول الأخرى للوقوف خلفها.

ومع أن حرب فيتنام كانت محتدمة آنذاك مثلما كانت أعمال العنف والاغتيالات تحتل عناوين الأخبار الرئيسية، فإن الولايات المتحدة استطاعت أن تحافظ على مكانتها بطلة للعالم الحر، بل وتفوقت على غريم الحرب الباردة (الاتحاد السوفياتي السابق) بالسباق نحو الفضاء بعد أن بدا قبل ذلك بسنوات قليلة أنها في طريقها لتكبد الخسارة.

ومع ذلك، فإن الأميركيين أضفوا لمسة من التواضع على إنجازهم "العظيم" ذاك، بحسب الكاتب.

محطات مضيئة
ولم تكن تلك هي المحطات البارزة في مسيرة الولايات المتحدة لبسط نفوذها لاحقا فقط، فقد كانت هناك لحظات مضيئة أخرى -كما يؤكد الكاتب- والتي بلغت ذروتها في خروجها ظافرة من الحرب الباردة بعد تفتت الاتحاد السوفياتي السابق الذي خرج منهكا من لهاثه لمجاراة أميركا.

وهناك حرب الخليج التي قادت فيها الولايات المتحدة تحالفا دوليا ضد العراق، وكانت إيذانا ببزوغ عهد القنبلة الذكية. وبعد سنوات قليلة، خططت واشنطن لإنقاذ البوسنة وكوسوفو بينما بدا الأوروبيون مترددين.

الكاتب: ترامب قضي العامين ونصف العام بمنصبه ينتقص من الحلفاء بمواقفه المبغضة للأجانب (رويترز)

غير أن الكاتب يرى أن الأمور اتخذت بعد ذلك مسارا نحو الانحدار. فقد بدأت أغلب دول العالم ترتاب بجدية في قرار واشنطن غزو العراق عام 2003 متذرعة بمبررات "زائفة".

انحطاط
ثم شككت تلك الدول بعد ذلك في قدرات الدولة الأميركية برمتها على إصدار الأحكام بعد انتخابها "بائعا متجولا محترفا" في إشارة إلى الرئيس ترامب الذي يصفه الكاتب بأنه "مناهض" لفكرة العالمية.

ويتابع قائلا "يبدو أننا الآن قد وصلنا إلى مستوى متدنِ آخر من السمعة" في إشارة أخرى إلى تصريحات ترامب العنصرية الأخيرة تجاه أربع عضوات بالكونغرس من الأقليات العرقية.

ويضيف الكاتب أن ترامب قضى العامين والنصف العام من ولايته وهو ينتقص من حلفاء بلاده والعديد من الدول "غير البيضاء" بمواقفه العنصرية والمبغضة للأجانب.

ليست عظيمة
ورغم أن ترامب نفى لاحقا أن يكون عنصريا، فإنه بألفاظه بدا وكأنه يؤيد رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي من الحزب الديمقراطي حينما قالت إن الشعار الحقيقي لرئاسته لا ينبغي أن يكون "لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى" بل "لنجعل أميركا بيضاء".

ووفقا للمقال فإن كل تلك التطورات تقف شاهدا آخر -في نظر العديد من شعوب العالم- على أنه لا تكاد دولة منقسمة سياسيا واقتصاديا كالولايات المتحدة أن تُعتبر "مؤثِّرة" على الساحة الدولية.

وبنظر الكاتب فإن سلوك ترامب كلف البلاد غاليا بحطه من قدرتها كقوة عظمى وحيدة في استخدام إمكانياتها الأخلاقية والجيوسياسية على حمل الدول الأخرى على القبول بالانحياز إلى جانبها سواء في سعيها لعزل الصين وحظر منتجات شركة هواوي، أو الضغط على أوروبا وروسيا والصين لفرض عقوبات جديدة على إيران.

فهل بمقدور أميركا بعد كل ذلك استعادة قوتها الناعمة مرة أخرى؟

يستشهد المقال بالأستاذ بجامعة هارفارد جوزيف نايي الذي ابتدع مصطلح "القوة الناعمة" حيث يقول إن استعادة تلك القوة ما تزال ممكنة، وضرب مثلا بتمكن أميركا من استرداد قوتها بعد حرب فيتنام وفضيحة ووترغيت التي أطاحت بالرئيس ريتشارد نيكسون.

المصدر : فورين بوليسي