في الخليل.. "العبرنة" تفتك بأسماء عشرات المواقع الفلسطينية

في الخليل.. "العبرنة" تفتك بأسماء عشرات المواقع الفلسطينية

عوض الرجوب-الخليل

يشعر الحاج السبعيني محمد ديب النتشة بغصة كلما توجه إلى المسجد الإبراهيمي للصلاة، ومرّ بجوار مدرسته السابقة "أسامة بن منقذ" المحصنة اليوم بالجنود والجدران والأسلاك الشائكة.

لا يزال النتشة يذكر جيدا أسماء مدرسيه في تلك المدرسة، وخاصة مقرئ المسجد الأقصى المرحوم الشيخ محمد رشاد الشريف، كونه كان يتابع طلبته في تلك المدرسة حتى يتأكد من وصول المعلومة "وكأنه يحفرها حفرا في ذاكرته".

فعلى بعد مئات الأمتار من المسجد الإبراهيمي، يقع مبنى -يرجح أنه أقيم في العهد العثماني أواخر القرن الثامن عشر- كان يسمى "دار الإسطنبولي" ويرتبط بالمسجد من خلال مسارب تحت الأرض.

 لافتات بالعبرية والإنجليزية في قلب الخليل (الجزيرة)

تهويد مدرسة
تعددت استخدامات المبنى قبل الاحتلال الإسرائيلي، وكانت المدرسة آخر استخدام حتى لحظة استيلاء المستوطنين عليه عام 1982 وتحويله إلى بؤرة استيطانية، ثم إلى معهد ديني يهودي يحمل اسم "بيت رومانو".

تكونت مدرسة أسامة من طابقين بها سبعة صفوف، أما اليوم فأضيفت عدة طوابق للمبنى القديم، وأضيف الاسم العبري، وحفر الشمعدان في أعلى واجهاته المبنية من الحجر الفلسطيني.

المدرسة ليست الوحيدة التي تم العبث باسمها، فالخليل سماها الاحتلال الإسرائيلي "كريات أربع"، وأطلق على المسجد الإبراهيمي "ميخبيلا كيف" (مغارة المكفيلا)، وسمّى الجيش شارع الشهداء أو شارع الإخوان المسلمين شارع "شيكاغو"، في حين سماه المستوطنون شارع "كينغ دافيد".

هذه أمثلة لعشرات المواقع العربية والإسلامية في مدينة الخليل، وتحديدا بلدتها القديمة التي غيّر الاحتلال أسماءها إلى أسماء عبرية أغلبها نسبة لحاخامات وقيادات خدمت مشروع الاستيطان اليهودي في فلسطين.

لافتات مجهزة من قبل الاحتلال لتعليقها في شوارع الخليل (الجزيرة)

تصحيح الرواية
يرأس بدر الداعور التميمي تجمع الحرف التراثية في الخليل ويمتلك متجرا لبيع التحف والمصنوعات اليدوية، يفصله جدار حصين وأسلاك وبرج عسكري عن المدرسة التي درس فيها والده وأشقاؤه الأكبر منه سنا.

يساعد الرجلَ موقعُه في اتحاد الصناعات السياحية على الاحتكاك بالسياح والوافدين إلى المدينة ويأخذ على عاتقه إجلاء الصورة عن المكان وتقديم الرواية الفلسطينية للزوار الأجانب.

يقول التميمي إن المدرسة استخدمت مقرا لأجهزة الدولة العثمانية ثم مخفرا في العهد البريطاني، وتميزت بموقع إستراتيجي قرب ساحة الباصات والسوق، لكنها اليوم تحولت إلى معهد ديني يلتحق به نحو 400 مستوطن.

فوجئ التاجر الفلسطيني قبل أيام بحركة نشطة للمستوطنين في الجهة المقابلة لمتجره قبالة المدرسة، فطلب مع متضامنين أجانب يقيمون في المدينة استجلاء الصورة، فكانت المفاجأة تجهيز عشرات الشواخص باللغتين العبرية والإنجليزية لتعليقها في شوارع وأزقة الخليل القديمة، موضحا أن أغلبها تحمل أسماء حاخامات وجنود نكلوا بالفلسطينيين.

وتنتشر في أزقة الخليل عشرات الشواخص التي تغيّب اللغة والأسماء العربية للمواقع والأماكن والشوارع، ضمن سياسة "عبرنة وتهويد" مدينة خليل الله إبراهيم عليه السلام وإعطائها طابعا توراتيا.

مدرسة "أسامة بن منقذ" التي تحولت إلى بؤرة "أبراهام أبينو" وتستخدم معهدا يهوديا (الجزيرة)

طابو الشوارع
اللافتات بمثابة وثيقة تسجيل نهائي للمكان، كما يقول عبد الرؤوف المحتسب الذي يملك متجرا قبالة المسجد الإبراهيمي وعانى كثيرا من ترغيب المستوطنين لشراء متجره وإرهابهم من خلال الاعتداء عليه.

وتنتشر في قلب مدينة الخليل خمس بؤر استيطانية أقيمت في مواقع تم الاستيلاء عليها بعد احتلال المدينة عام 1967. ويقدر عدد المستوطنين اليوم في قلب الخليل بنحو 500 مستوطن.

وتقع البلدة القديمة من الخليل بما فيها المسجد الإبراهيمي ضمن منطقة أطلق عليها "خ2" حسب "اتفاق الخليل" الموقع عام 1997 بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، وتشكل نحو 20% من مساحة مدينة الخليل ويسكنها نحو 45 فلسطينيا، في حين تسلمت السلطة الفلسطينية المساحة المتبقية وأطلق عليها "خ1" ويقطنه نحو 220 ألف فلسطيني.

وقتلت إغلاقات الاحتلال وعشرات الحواجز العسكرية قلب المدينة بعد إغلاق عشرات المحلات التجارية قسرا. وتقول منظمة "بتسيلم" الحقوقية الإسرائيلية إن القيود والتنكيل المستمر اللذين يعانيهما الفلسطينيون تحوّلان حياتهم إلى جحيم لا يطاق، "مما يعني سعي السلطات لتنفيذ ترانسفير متواصل ضد الفلسطينيين سكان وسط مدينة الخليل".

المصدر : الجزيرة