وسط مد يميني.. اغتيال سياسي ألماني رحب باللاجئين وتهديدات لآخرين

لوبكه البالغ 65 عاما عثر عليه مصابا بطلق ناري في رأسه (الألمانية)
لوبكه البالغ 65 عاما عثر عليه مصابا بطلق ناري في رأسه (الألمانية)


سليم سليم-برلين

لا تزال قضية مقتل السياسي الألماني فالتر لوبكه رئيس مقاطعة كاسل -الذي كان يعد من أبرز داعمي سياسة الترحيب باللاجئين في البلاد- تتفاعل في الأوساط الألمانية، وسط تحذيرات باستهداف سياسيين آخرين، في ظل تهديدات يمينية متواصلة.

وتم العثور على لوبكه البالغ من العمر 65 عاما ليلة الثاني من يونيو/حزيران الجاري مصابا بطلق ناري في رأسه بشرفة منزله في مدينة كاسل الواقعة بولاية هيسين (وسط) قبل أن يتوفى بعدها بفترة وجيزة بعد فشل محاولات إنعاشه. وبعد تشريح الجثة اتضح أن لوبكه أصيب بطلق ناري من مكان قريب، لكن الدافع لم يتأكد حتى الآن.

وكانت السلطات ألقت القبض على شخصين أحدهما يدعى "شتيفان أ." يشتبه في ارتكابه الجريمة وانتمائه لليمين المتطرف ووضع قيد الحبس الاحتياطي، في حين أطلق سراح الآخر.

واعترف المشتبه به الرئيس في قضية اغتيال لوبكه بالجريمة وفقاً لمعلومات نشرها موقع شبيغل أون لاين، موضحا أنه خطط وتصرف بمفرده. إلا أن السلطات تواصل التحقيق مع المقربين أو المتواطئين المحتملين.

وعن دوافع القيام بهذه الجريمة التي أثارت نقاشات داخلية واسعة منذ أسابيع، قال شتيفان إن جريمته كانت بمثابة رد فعل على تصريحات لوبكه حول اللاجئين في أكتوبر/تشرين الأول 2015.

كما نجح المحققون في الوصول لاثنين آخرين متهمين في قضية قتل رئيس مقاطعة كاسل، وهما تاجر أسلحة مزعوم من شمال الراين وستفاليا، ووسيط بين الجاني والتاجر. وتجري تحقيقات حاليا مع كل منهما بتهمة المساعدة والتحريض على القتل، وتم تقديمهما إلى القاضي، كما اكتُشف مخبأ للأسلحة.

لوبكه أصيب بطلق ناري من مكان قريب لكن الدافع لم يتأكد بعد (الألمانية)

مأساة الديمقراطية
ولا تزال ردود الفعل تتوالى حول مقتل لوبكه، إذ تفاعلت معها شخصيات عديدة عبر تويتر، منهم عضو برلمان بافاريا الذي نشر عبر حسابه صورة يوضح فيها رفض عضو كتلة حزب البديل اليميني الوقوف حدادا على روح لوبكه.

بدوره قال وزير الخارجية هايكو ماس "قضية لوبكه مأساة لديمقراطيتنا. الحدود بين الجماعات الشعبية اليمينية والجماعات المسلحة تتدفق بالفعل. يجب أن ندافع عن ديمقراطيتنا. أعداء الحرية لا يستحقون الحرية".

من ناحيته قال السياسي زيغمار غابرييل في تغريدة "لأول مرة منذ حوالي مئة عام، يكون ممثل الدولة ضحية هجوم مستهدف من قبل يمينيين أعداء للديمقراطية. ماذا سيحدث في ألمانيا لو ارتكب هذا القتل إرهابيون يساريون؟".

كما علق الصحافي بشبكة WDR جورج رستلا في تغريدة بأن "الأيديولوجيات اليمينية تلد الإرهاب في حالة تم تجاهل المشكلة وقللت من أهميتها لفترة طويلة جدا".

أما الصحفية المختصة بشؤون اللاجئين إزابيل شياني فعلقت "حتى الآن، نظرًا لأن الخلفية المزعومة -التي تكره اللاجئين- لقاتل لوبكه تصبح أكثر وضوحًا، فإن حزب البديل لا يتوقف عن رسم صورة كاريكاتيرية. طلبات اللاجئين الأولوية العام الحالي أقل بنسبة 5% من العام الفائت. أي نوع من تدفق اللاجئين إلى ألمانيا يجب أن يكون؟".

في غضون ذلك تلقى العديد من السياسيين المحليين في عدة مدن -من أبرزهم عمدة كولن- تهديدات من يمينيين متطرفين، على خلفية مواقف هؤلاء السياسيين الإيجابية مع اللاجئين والمهاجرين. كما تلقى زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي بولاية ساكسونيا تهديدا بالقتل من خلال تلقيه طردا مجهولا يحتوي على بندقية مزيفة أرسل لعنوان سكنه.

 فابيان: احتمالية الافتراضات المنطقية التي نشرت حول خلفية عنصرية (الجزيرة)

خلفية عنصرية
ويرى البروفسور د. فابيان فيرشو رئيس مركز الأبحاث المتخصص بالتطرف اليميني والنازية الجديدة بجامعة العلوم التطبيقية في دوسلدورف منطقيةَ الافتراضات التي نشرت حول خلفية عنصرية محتملة من قبل الجماعات المناهضة للعنصرية والمنظمات غير الحكومية المناهضة للفاشية "في حين قلل من هذه القضية سلطاتُ الدولة ومعظم الأحزاب السياسية أقلها الديمقراطيون المسيحيون الذين كان لوبكه ينتمي إليهم منذ فترة طويلة".

وفي ظل المعلومات المتوفرة حاليا عن المشتبه بهم الآخرين بحيازة الأسلحة، والسيرة الطويلة في أقصى اليمين، يؤكد البروفسور الألماني للجزيرة نت أن هناك أسبابا وجيهة لاستعداد هياكل اليمين المتطرفة للقتل في أي وقت، ومدللا بحالة لوبكه الأخيرة.

وعن الأساليب الناجعة لمواجهة اليمين المتطرف، توقع أن تكون المظاهرات رسالة قوية إذا شارك بها الكثير، ومع ذلك فهذا لا يكفي وحده. فالحل من وجهة نظره يتمثل بثقافة سياسية وخطاب مؤيد للهجرة وغير عدائي لمجتمع متنوع.

كما تحدث فيرشو عن مراقبة البيئة العنصرية واليمينية المتطرفة بعناية، والتدخل ضد خطاب الكراهية وأعمال العنف التي يقوم بها الجناح اليميني، وما إذا كانت هناك انتهاكات لمخالفي القانون وتمت معاقبتهم بسرعة، فهذا -حسب البروفسور- من شأنه أن يحد من خطر الإرهاب اليميني.

ولم يستبعد المختص بشؤون اليمين المتطرف والنازيين الجدد حدوث المزيد من أعمال الإرهاب اليميني والإرهاب العنصري، وعزا ذلك إلى أن هناك عددا مناسبا من حديثي الولادة المعرضين للعنف وللعنصريين، ولديهم الإمكانية للوصول للمتفجرات والأسلحة، وأن هناك شبكات وهياكل تنظم الإرهابيين والجناة العنيفين.

يُذكر أن وزير الداخلية هورست زيهوفر أكد تنامي خطر اليمين المتطرف خلال العام الفائت، موضحا أن عدد المنضمين لشبكات يمينية متطرفة بلغ أقصى مستوى له بمعدل 24100 شخص، مضيفا أن نحو النصف منهم يصنفهم التقرير على أن لديهم قابلية لاستخدام العنف. 

 خليل: شعبية الأحزاب اليمينية ازدادت من خلال اللعب على وتر الخوف من اللاجئين (الجزيرة)

الإرهاب اليميني
وحول خطر تأثير الإرهاب اليميني على اللاجئين، يرى نادر خليل مدير المركز الألماني العربي DAZ والناشط بمجال الاندماج للاجئين أنه لطالما كان خطر اليمين موجودا من قبل، لكنه ازداد بشكل مطّرد بعد موجة اللجوء عام 2015، لاسيما في المناطق الشرقية التي شهدت هجمات استهدفت اللاجئين وأوقعت ضحايا.

ولفت الناشط في مجال اللاجئين -خلال حديث مع الجزيرة نت- إلى أن شعبية الأحزاب اليمينية ازدادت من خلال اللعب على وتر الخوف من اللاجئين، واستخدامهم فزاعة، والتخويف من الإسلام لاسيما في ظل ضحالة ثقافة البعض، وارتفاع نسب البطالة في بعض الولايات.

ورغم أن السلطات تراقب الأمر وتقوم بما عليها من واجب لمواجهة الجماعات اليمينية المتطرفة فإن ذلك لا يكفي -حسب مدير المركز الألماني العربي، متوقعا تزايد هذا الخطر بحق اللاجئين وداعيا الحكومة لبذل المزيد من الجهود لحماية كل الموجودين على أراضيها -دون تمييز بين أي منهم- من خطر هذه المجموعات اليمينية المتطرفة.

المصدر : الجزيرة