بحثا عن مسار ثالث.. بريد نشط بين واشنطن وطهران

لغة التهديد بين طهران وواشنطن تراجعت لصالح البحث عن مسار للحوار (الجزيرة)
لغة التهديد بين طهران وواشنطن تراجعت لصالح البحث عن مسار للحوار (الجزيرة)
الجزيرة نت-طهران
الهدوء النسبي الذي خيم مؤخرا على الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران، وتراجع لغة التهديد والوعيد في تصريحات الطرفين، تزامنا مع تحركات أطراف وسيطة تسعى لفتح مسار للحوار بعيدا عن لهجة التصعيد التي سادت في أروقة الإعلام والسياسة.
فبعد نحو أسبوعين من انخفاض منسوب التهديد المتبادل بين أميركا وإيران وتراجع الخيار العسكري في المنطقة، أعلن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو استعداد واشنطن لمباشرة محادثات غير مشروطة مع طهران، ليكون الثاني بعد رئيسه ترامب الذي دعا الأخيرة من العاصمة اليابانية طوكيو للجلوس إلی طاولة المفاوضات.

وتأتي دعوة بومبيو من سويسرا -راعية المصالح الأميركية في إيران- بعيد تأجيل أميركا خلال الأيام القليلة الماضية حزمة عقوبات جديدة كانت تستهدف قطاع البتروكيمياويات الإيراني، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشراً علی عزم إدارة الرئيس ترامب خفض مستوی التصعيد مع طهران.
جاء الرد الإيراني من الخارجية سريعا ومفاده أن "معيارنا الأساسي هو السلوك الأميركي على الأرض وليس تصريحات السياسيين"، لكن الرئيس روحاني کما كان متوقعا اشترط "الاحترام المتبادل" للتفاوض مع واشنطن، مؤكدا أنه "لا تفاوض دون ذلك".
وقال روحاني الذي رفع شعار "الحوار والتفاوض لحل المشاكل العالقة" إبان حملاته الانتخابية، إن واشنطن هي التي غادرت مائدة التفاوض "ويجب أن تعود دولة طبيعية"، رافعا بذلك سقف الحوار معها عاليا، بينما استبعد وزير خارجيته إجراء أي مفاوضات مع أميركا.
في غضون ذلك، أشار الجنرال يحيی رحيم صفوي المستشار العسكري للمرشد الأعلى الإيراني إلی أن "السفن العسكرية الأميركية في الخليج تقع في مرمى صواريخنا"، مضيفا أن ترامب يدرك جيدا أنه سيخرج خاسراً من أي حرب سيشنها على إيران، وأن القوات المسلحة الإيرانية علی أهبة الاستعداد للرد علی أي اعتداء.

من جانبه أکد الحرس الثوري في بيان بمناسبة الذكری السنوية لرحيل قائد الثورة الإسلامية الراحل الإمام خميني، أن إيران لن تستسلم أمام الحظر والضغوط، وأن هذه المرحلة التاريخية الحساسة ستمر، واصفا النظام الأميركي بأنه "فرعوني ودكتاتوري".

وبينما اعتبر وزير الدفاع الأسبق الجنرال أحمد وحيدي أن التفاوض مع أميركا غير عقلاني ومستحيل، قال مساعد القائد العام للجيش الإيراني الأميرال حبيب الله سياري إن التفاوض حول القدرة الصاروخية الإيرانية غير ممكن أبداً.
خطاب القيادة العسكرية الإيرانية غلبت عليه لهجة التصعيد مع واشنطن (الجزيرة)
لا مفاوضات
من جانبه، يستبعد أستاذ العلوم السياسية بجامعة طهران محمد مرندي إجراء أي مفاوضات -مباشرة أو غير مباشرة- بين إيران وأميركا في الظروف الراهنة، مؤكدا وجود وساطات من قبل أمیركا تقوم بها بعض الأطراف، حيث أبلغتها طهران شروطها للحوار مع واشنطن، وهي عودة أميركا إلى الاتفاق النووي، وتنفيذها جميع التزاماتها في إطار الاتفاق.
ويشير مرندي إلی أن أميركا ارتكبت خطأ في التقدير، إذ ظنّت أن النظام الإيراني سينهار من الداخل إذا مارست عليه الحد الأقصی من الضغوط، أو أن طهران ستخضع لإملاءاتها، مؤكدا أن واشنطن لم تخمّن جيدا مدی ردة الفعل الإيراني، وهذا ما جعلها تتراجع عن التصعيد، لكن التراجع الأميركي لم يعد کافيا لدی الجانب الإيراني.

ويعتقد أن إيران تعتبر الجلوس إلی طاولة المفاوضات مع أمیركا يضر بمصالحها القومية، وهو بمثابة تقديم تنازل لدی الطرف الآخر، علاوة علی أنه يشجع واشنطن علی انتهاك المعاهدات الدولية، ناهيك عن التذبذب في السلوك الأميرکي.
ويضيف الأكاديمي الإيراني أن الجانب الإيراني قدم تنازلات جمة خلال المفاوضات النووية، لكن أميرکا نكثت بالاتفاق، مؤكدا أن طهران تتجه نحو تجميد عدد أكثر من بنود الاتفاق النووي ردا علی الانسحاب الأميركي منه وفرضها حظرا جائرا علی الشعب الإيراني.
وعن زيارة رئيس الوزراء الياباني المزمعة الأسبوع المقبل إلی طهران، يقول مرندي إنه مما لا شك فيه أنها تأتي في إطار مباحثات الرئيس ترامب في طوكيو، وعبر عن قناعته بأنها لن تؤدي إلی عدول إيران عن مواقفها السابقة. 
ويشير إلی أن التراجع الأميركي أثبت للرأي العام عدم جدية واشنطن في تهديداتها لطهران، وأن أميركا تخشی خوض حرب مع إيران بسبب کلفتها الباهظة.
ويرى أن هناك علاقة مباشرة بين التصعيد الأميركي الأخير ضد إيران وصفقة القرن لتصفية القضية الفلسطينية، ويقول إن إشعال فتيل الحرب الأميركية في المنطقة سيلحق الضرر بمنشآت النفط والغاز، وسيؤدي إلی إخراج القوات الأميركية من المنطقة، وإن إغلاق مضيق هرمز سيكون جزءا صغيرا من الرد الإيراني.
مراسلات تتحدث عن استعداد ترامب لاستبعاد بولتون عن الملف الإيراني (الجزيرة)
تغيير اللعبة
علی صعيد متصل، كشف مصدر مطلع في الخارجية الإيرانية -اشترط عدم ذكر اسمه- أن الوساطات وتبادل الرسائل بين واشنطن وطهران تمضي علی قدم وساق، مؤكدا أن "أمیركا تسعی جاهدة لتغيير قواعد اللعبة والتفاوض معنا، وهذا ما لا نرغب فيه".
ويشير المصدر في حديثه للجزيرة نت إلی أن إيران اشترطت عودة أميركا إلی الاتفاق النووي ورفع الحظر الأميركي للحوار معها، مضيفا أن واشنطن "تريد الحوار معنا مقابل خفض التصعيد وإبعاد شبح الحرب من المنطقة"، دون تنفيذ الشروط الإيرانية التي تصر عليها طهران.
وكشف المصدر ذاته عن رسالة أميركية مفادها أن ترامب علی استعداد لإبعاد جون بولتون مستشاره الأمني المعروف بالعداء للجمهورية الإسلامية، ويقول "لا نثق بأميركا، ونعتقد أن ترامب يريد ورقة التفاوض مع طهران ليستغلها في حملته الانتخابية عام 2020".

كما يعتقد أن إيران لن تخوض مفاوضات جديدة مع أميركا حتی تعود الأخيرة إلی الاتفاق النووي، مهما مهدت واشنطن لفتح مسار المفاوضات، لكن في الوقت ذاته لا يستبعد أن تلبي إدارة ترامب الشروط الإيرانية وتعبد الطريق أمام مفاوضات جديدة، علی غرار ما شهدناه قبيل توقيع الاتفاق النووي عام 2015.
تغريدات وقراءات
وعلى منصات التواصل الاجتماعي، تفاعل العديد من الإيرانيين مع دعوة بومبیو للحوار مع طهران دون شروط مسبقة، ففي تغريدة له على تويتر كتب مدير المرکز العربي للدراسات الإيرانية محمد صالح صدقيان "يبدو أن الوساطة بين طهران وواشنطن وضعت على السكة؛ سويسرا واليابان على الخط. الأربعاء المقبل رئيس الوزراء الياباني في طهران.. يقال إن ترامب وافق على كتابة رسالة خاصة للإمام الخامنئي سيحملها الياباني.. طهران ما زالت تصر على رفع العقوبات قبل أي حوار.. والاتفاق النووي أولا".

وبينما اعتبر البعض أن خفض التصعيد الأميركي ينم عن خشية واشنطن من استهداف إيران سفنها الحربية، تحدّث البعض الآخر عن احتمالية عودة أميركا إلى الاتفاق النووي وإجراء مفاوضات في بلد ثالث.
وهناك من أشار إلی رفض طهران شروط واشنطن الـ12 للتفاوض معها عام 2018، معتبراً أن صمود إيران أمام الابتزاز الأميركي آنذاك أدی إلی تراجع إدارة ترامب عن مواقفها تجاه إيران.
المصدر : الجزيرة