"حزب فرنسا".. هل ما زال هناك طابور فرنسي بالجزائر؟

الجالية الجزائرية في باريس تتظاهر ضد بوتفليقة في مارس/آذار الماضي (رويترز)
الجالية الجزائرية في باريس تتظاهر ضد بوتفليقة في مارس/آذار الماضي (رويترز)

عياش سنوسي-الجزائر

أثار مقال عن "حزب فرنسا الجديد" نشرته صحيفة جزائرية مؤخرا، جدلا قديما جديدا حول دور ما يعرف باسم "حزب فرنسا" في الحياة السياسية بالجزائر.

واتهم صاحب المقال أستاذ العلوم السياسية سليم قلالة رافضي الانتخابات بأنهم "أبناء فرنسا الذين يريدون الاستمرار في التحكم برقابنا".

وردا عليه، قال الإعلامي عابد شارف "أفهم من هذا أن الجماهير التي تتظاهر وترفض الانتخابات في ظل المنظومة الانتخابية الحالية وأهلها ينتمون إلى حزب فرنسا الجديد".

أما الإعلامي محمد مسلم فاعتبر أن "حزب فرنسا" كيان ينبض بإرادة الدفاع عن المصالح الفرنسية، وأبناؤه متنفذون في الإدارة والجيش (حتى وقت قريب) وفي السياسة والإعلام والجامعات والمال والأعمال.

ومن الشائع القول إن الجيش الجزائري تخلص من المحسوبين على "حزب فرنسا" أو من يعرفون "بالضباط الجانفيين" نسبة إلى شهر "جانفي" أي يناير/كانون الثاني، وهم الجنرالات الذين قادوا انقلابا على الرئيس الشاذلي بن جديد في يناير/كانون الثاني 1992 بقيادة خالد نزار وزير الدفاع بين عامي 1990 و1993، ومحمد العماري قائد الأركان بين عامي 1990 و2004، والجنرال محمد مدين الشهير باسم "توفيق" مدير المخابرات بين عامي 1990 و2015.

لكن كاتب المقال قلالة أكد خلال منتدى لإحدى الصحف أن "حزب فرنسا" ما تزال لديه أذرع ثقافية واقتصادية وسياسية.

وكان عبد الحميد الإبراهيمي (رئيس وزراء الجزائر الأسبق 1980-1984) أول من كشف علنا عن نفوذ "حزب فرنسا" في كتابه "في أصل المأساة الجزائرية.. شهادة عن حزب فرنسا الحاكم 1958-1999"، وأوضح فيه كيف سمحت فرنسا لضباط جزائريين بالفرار من جيشها للالتحاق بالثورة بدءا من عام 1958، مضيفا أنهم صاروا متحكمين في قيادة المؤسسة العسكرية في السبعينيات وفي دواليب السلطة.

كما أبرز لاحقا في برنامج "زيارة خاصة" لقناة الجزيرة أن كل قادة الجزائر منذ أيام الثورة خضعوا لحزب فرنسا، وأن كل الاغتيالات الكبيرة في الجزائر نفذها ضباط هذا الحزب، حسب قوله.

بوعقبة: كريم بلقاسم دعم "ضباط فرنسا" لضرب بومدين (الجزيرة)

بومدين وفرنسا
ويرى الصحفي سعد بوعقبة أن تعبير "حزب فرنسا" حق أريد به باطل، مشيرا إلى أن كثيرين يتهمون الرئيس الأسبق هواري بومدين برعاية من يعرفون "بضباط فرنسا" الذين يقدر مؤرخون عددهم بنحو 520 ضابطا.

وأضاف بوعقبة للجزيرة نت أن هؤلاء الضباط دعمهم وزير الدفاع آنذاك كريم بلقاسم ضد بومدين، وعندما نشب صراع عام 1958 بين الباءات الثلاث (بلقاسم، بن طوبال، بوصوف) وهيئة الأركان (بومدين، منجلي، قايد)، قررت المجموعة الأخيرة الاستقالة والمغادرة إلى ألمانيا، إلا أن جيش الحدود (بقيادة بومدين) تمرد على الحكومة المؤقتة وضغط عليها حتى أعيد بومدين ورفيقاه.

وتساءل بوعقبة "هل يعقل أن يقف الجنود في صف راعي حزب فرنسا؟"، وكشف أن بومدين هو أول من استعمل تعبير "حزب فرنسا". أما ما يقال عن أنه مكّن "ضباط فرنسا" من مراكز المسؤولية فغير صحيح لأن هؤلاء ترقّوا في المسؤولية أثناء عهد الشاذلي بن جديد.

وأضاف أن اتفاقية إيفيان التي مهدت لاستقلال الجزائر عام 1962، كانت تقضي بتسليم جيش الحدود (الموجود في غارديماو التونسية) سلاحه عند دخوله الجزائر، لكن بومدين رفض ذلك وهدد بالعودة إلى الحرب، حيث يرى بوعقبة في ذلك دليلا على أن بومدين ليس "راعي حزب فرنسا".

كما استبعد الصحفي الجزائري أن يكون لهؤلاء الضباط ارتباط عضوي بفرنسا رغم تكوينهم وثقافتهم الفرنسية، مضيفا أن الجنرال خالد نزار الذي يعتبر زعيم هؤلاء الضباط خاض معركة ضد الجيش الفرنسي في الحدود الشرقية بعد التحاقه بالثورة عام 1958.

ويعتقد بوعقبة أن بعث فكرة "حزب فرنسا" في الظرف الحالي لا يحل الأزمة رغم تسويقها من قبل بعض الأطراف في السلطة، حسب قوله.

رزاقي: هيمنة فرنسا على الجزائر
زادت في عهد بوتفليقة (الجزيرة)

ستة ملايين
من جانبه أوضح الكاتب عبد العالي رزاقي للجزيرة نت أن "حزب فرنسا" تشكل من ضباط خدموا الجيش الفرنسي خلال الثورة ثم أصبحوا مسؤولين بعد الاستقلال، مشيرا إلى أن 700 وزير ومسؤول وقيادات حزبية يقيمون حاليا في فرنسا.

كما يوجد حاليا ستة ملايين من مزدوجي الجنسية، وهو رقم مؤثر في الانتخابات الفرنسية وفي العلاقات بين البلدين.

وأكد رزاقي أن فرنسا ظلت قبل بداية حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة عام 1999، مهتمة بالجانب الثقافي من خلال تقديم منحة قدرها خمسين مليون فرنك فرنسي سنويا للجمعيات الجزائرية، لكن بعد مجيئه اهتمت بالجانب الاقتصادي ونجحت في إبرام اتفاقيات كشف عنها مؤخرا وزير التجارة الأسبق الهاشمي جعبوب.

وتجلت هيمنة فرنسا على الجزائر -بحسب رزاقي- خلال زيارة الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي عام 2006 عندما كان وزيرا، مما دفع البعض للتساؤل عن سر الاهتمام المبالغ فيه بالضيف.

وأضاف أن "سيطرة فرنسا على القرار السيادي للجزائر" تجلت عندما سمح بوتفليقة بعبور طائراتها للأجواء الجزائرية لضرب مالي عام 2012، وهو أمر غير مسبوق.

المصدر : الجزيرة