منزلا منزلا.. هكذا يضم الاحتلال أراضي القدس

30 ألف نسمة يسكنون صور باهر داخل حدود بلدية القدس وستة آلاف خارجها (الجزيرة)
30 ألف نسمة يسكنون صور باهر داخل حدود بلدية القدس وستة آلاف خارجها (الجزيرة)

فادي العصا-بيت لحم

لم يمضِ وقت طويل على انسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي عند وصولنا إلى منطقة وادي الحمص بقرية صور باهر جنوبي القدس المحتلة، حيث هدم أساسات بنايتين تم حفرها مؤخرا، ومسح 15 عمارة سكنية لهدم مئة شقة في المكان.

المنطقة مصنفة "أ" وفق اتفاق أوسلو الموقّع بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، الذي يعطي السيطرة الأمنية والمدنية للسلطة الفلسطينية فيها. غير أن المكان أصبح اليوم جزأين بفعل سياج شائك ضم المنطقة إلى المخطط الهيكلي لبلدية الاحتلال في القدس. ويمنع الاحتلال البناء على جانبي السياج بحجج أمنية.

يتعجب الطفل محمد حمادة (14 عاما) عند وقوفه خارج السياج من جهة الضفة الغربية/ أن منزله لا يبعد سوى بضعة أمتار عن منطقة وادي الحمص، مستنكرا اضطراره للالتفاف مسافة طويلة من أجل الوصول إلى البيت بسبب السياج.

يصرخ الطفل حمادة قائلا "هذه القدس التي يحلم الكثيرون بدخولها لا يبعدنا عنها سوى هذا السلك!".

الطفل محمد: هذه القدس التي يحلم الكثيرون بدخولها لا يبعدنا عنها سوى هذا السلك (الجزيرة)

تطهير عرقي
حمادة حمادة والد الطفل محمد، الذي يرأس لجنة الدفاع عن الأراضي والمباني المعرضة للهدم في منطقة صور باهر، يصف ما يحصل في المنطقة بأنه تطهير عرقي، إذ يقضي قرار أصدرته محكمة الاحتلال العليا
بالهدم الفعلي لمئة شقة سكنية، وفتح الباب لهدم مئة أخرى في المستقبل القريب.

يقول حمادة للجزيرة نت إن 30 ألف نسمة يسكنون صور باهر داخل حدود بلدية القدس، وستة آلاف خارجها، في المناطق المصنفة "أ"،"ب"، "ج" -حسب اتفاق أوسلو- التي أصبحت اليوم كلها داخل الحدود بفعل وجود السياج الشائك.

لا يعترف جيش الاحتلال بتراخيص البناء التي أعطتها السلطة الفلسطينية لهذه المنازل قبيل إنشائها، معتبرا أن المنطقة أصبحت جغرافيا ضمن القدس المحتلة، وتسري عليها القوانين الإسرائيلية في المدينة.

 صور للبنايات السكنية الجاهزة وقيد الإنشاء المهددة بالهدم في منطقة وادي الحمص بحجة قربها من السياج الشائك (الجزيرة)

أحلام تُبدد
ويصف حمادة شكل السياج بأنه سلك شائك، كي يسهل على الاحتلال نقله لخدمة أغراضه، بضم مناطق إلى القدس أو إخراجها من مخطط المدينة.

كل شقة من العمارات السكنية المنتشرة في محيط السياج -سواء من جهة القدس أو الجهة الأخرى- لصاحبها حكاية حتى تمكن من الحصول على شقته المبنية أو قيد الإنشاء.

أحد أصحاب الشقق أسير محرر من سجون الاحتلال، وآخر وضع كل ما يملك في عمارة سكنية معرضة للهدم، وثالث حاول إنشاء مشروع سكني، وتعاقد مع مواطنين لتسليمهم الشقق، لكن مشروعه معرض للهدم كذلك.

ويشكو المواطن إسماعيل محمد عبيدي صاحب أحد المنازل من التهميش الرسمي، ويخشى أن يخرج بالفعل من المنطقة، فهو وضع كل ما يملك في حلم منزل المستقبل، معتبرا في حديثه للجزيرة نت أن ما يتعرضون له كارثة، وشعور لا يوصف أن تسكن في منزل قد يهدم في أي لحظة، وأن تتبخر كل أحلام الاستقرار بعد سنوات طويلة من التخطيط والتنفيذ، عدا عن الديون المالية التي تحملها كل أصحاب المنطقة للسكن.

حمادة يتحدث أمام المباني المهددة بالهدم في منطقة وادي الحمص (الجزيرة)

منازل مهددة
يرى مدير مركز القدس للحقوق الاقتصادية والاجتماعية زياد الحموري أن الاحتلال يسعى لضم القدس منزلا منزلا وشبرا شبرا، لتحقيق أهدافه الاستيطانية، وطرد الفلسطينيين.

وتنظر محاكم الاحتلال اليوم في هدم 22 ألف منزل داخل القدس المحتلة بحجج عدم الترخيص. ويستخدم الاحتلال أدوات كثيرة لدفع المقدسيين إلى ترك المدينة، أهمها العامل الاقتصادي، خاصة أن الدراسات الإسرائيلية تشير إلى أن 80% من سكان القدس الفلسطينيين تحت خط الفقر.

ويقول الحموري للجزيرة نت إن مخططات الاحتلال تتمثل في جعل الربط الجغرافي للمناطق الفلسطينية مع بعضها صعبا للغاية، خاصة أن الاحتلال سيربط الضفة بالقدس ضمن ما يسمى مشروع "الخط البني"، وذلك عن طريق إنشاء خط سكة حديد يربط مستوطنة "جيلو" المقامة على أراضي بيت لحم وجنوب القدس، ومستوطنات مقامة على أراضي منطقة "قلنديا" شمال شرق المدينة، بما يعني اختراقا للمناطق العربية في القدس وربط المستوطنات بعضها ببعض.

وتحدث عن مخطط احتلالي وصفه بالكبير، هو "مخطط 2040" الذي سيتم فيه ربط مدينة بئر السبع جنوب فلسطين المحتلة، بمدينة رام الله وسط الضفة الغربية، عبر سكة حديد تمر بالقدس وبيت لحم والخليل.

وأوضح الحموري أن المخططات التي تتم، تؤكد ما يتحدث عنه مستشارو الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن كل مناطق الضفة والقدس ستطبق عليها القوانين الإسرائيلية، ويمكن لإسرائيل ضمها، وأن ذلك مرهون بالوقت فقط، لأن الخطط موضوعة وجاهزة وتطبق يومياً في القدس ومحيطها، وسيشرعون بتنفيذها في كثير من المناطق الفلسطينية بالضفة الغربية.

المصدر : الجزيرة