الانتخابات الموريتانية.. رسائل الجهة والعرق وسؤال الاستمرارية والتغيير

الانتخابات الموريتانية.. رسائل الجهة والعرق وسؤال الاستمرارية والتغيير

من اليمين: المرشح بيرام ولد اعبيدي، ثم المرشح سيدي محمد ولد ببكر، ثم المرشح محمد ولد مولود (الجزيرة)
من اليمين: المرشح بيرام ولد اعبيدي، ثم المرشح سيدي محمد ولد ببكر، ثم المرشح محمد ولد مولود (الجزيرة)

أمين حبلا

انتهت الانتخابات الرئاسية في موريتانيا إلى فوز مرشح السلطة الفريق المتقاعد محمد بن الشيخ محمد أحمد بن الغزواني بنسبة 52%، ليحصل بذلك على تزكية شعبية لخلافة صديقه ورفيقه في السلاح والسلطة محمد بن عبد العزيز الذي أنهى 11 سنة من حكم موريتانيا، من بينها سنة ببزته العسكرية حينما نفذ الانقلاب العسكري على أول رئيس موريتاني منتخب، وذلك في أغسطس/آب 2008.

تقاسم "المحمدان" الحكم وإن بشكل غير متساو طوال الفترة المنصرمة، كما كانا أيضا أبرز قادة الفريق العسكري الذي أطاح بالرئيس الأسبق لموريتانيا معاوية ولد الطايع والذي كان على رأسه علي ولد محمد فال في انقلاب أغسطس/آب 2005.

أقرب منافسي ولد الغزواني كان زعيم حركة إيرا المدافعة عن حقوق الأرقاء السابقين (الحراطين-العرب السمر) بيرام ولد اعبيدي، حيث حصل على 18.58% من أصوات الناخبين، فيما اعتبره الكثيرون رسالة عرقية من رسائل الانتخابات المتعددة.

فيما حل الوزير الأول الأسبق سيد محمد بن ببكر -المدعوم من الإسلاميين- ثالثا بـ17.58%، يليه السياسي الزنجي كان حاميدو بابا بنسبة 8.71%، وحل المرشح اليساري السابق محمد ولد مولود خامسا بنسبة 2.44%، ولم يتجاوز المرشح المرتجي ولد الوافي نسبة 0.39% من أصوات الناخبين.

فرحة واحتجاج
في معسكر السلطة، عمّت حالة من الابتهاج بفوز ولد الغزواني ولم تكن المؤشرات الواقعية تشير إلى غير ذلك، وأعلن ولد الغزواني بشكل رسمي فوزه بالرئاسة قبل إعلان اللجنة المستقلة للانتخابات ذلك، وهو ما أثار غضب أنصار المرشحين الآخرين الذين أعلنوا رفضهم النتيجة وتشكيكهم في نزاهة عمليات التصويت.

ودخل مرشحو المعارضة الأربعة في مشاورات طويلة، خرجوا منها بإعلان رفضهم للنتائج، وكان رد وزارة الداخلية سريعا، حيث استدعتهم واحدا إثر الآخر وطالبتهم بتهدئة الشارع، مؤكدة أنها سوف تحملهم المسؤولية عما ستنجر إليه الأمور في حالة الفوضى.

وشهدت بعض شوارع العاصمة نواكشوط ومدينة نواذيبو الاقتصادية مواجهات متفرقة مع أنصار زعيم حركة إيرا بيرام ولد اعبيدي أدت إلى اعتقال بعض عناصره، ونسبت مصادر أمنية متعددة أن غالبية المعتقلين كانوا من الأجانب القاطنين في موريتانيا.

ودعت المعارضة إلى مسيرة حاشدة اليوم، من أجل إعلان رفض النتائج والوقوف ضد ما يعتبرونه تزوير إرادة الشعب، قبل أن تعلن تأجيلها لأجل غير مسمى.

رسائل الانتخابات
وكشفت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في موريتانيا عن عدة رسائل وجهها الناخبون إلى المرشحين وممارسي السياسية والمجتمع، من أبرزها.

- العرق في ميزان التصويت: أثارت نتيجة المرشح بيرام ولد اعبيدي مفاجأة لدى الكثيرين حيث حل ثانيا في الانتخابات، وأرجع  بعض المراقبين تلك النتيجة إلى الحس القومي المتزايد لدى شريحة الحراطين، إضافة إلى تصويت عدد كبير من القوميات الزنجية لصالحه، وقد ظهرت نتيجة بيرام ولد اعبيدي قوية في مناطق المدن العمالية التي يشكل الزنوج والحراطين غالبية عمالها.

استفاد مرشح الأغلبية محمد ولد الغزواني من دعم الدولة له بشكل كبير ومن اصطفاف المسؤولين من رئيس الدولة إلى أصغر مسؤول وراءه، لكنه استفاد أيضا من رسالة الجهة حيث حصل على نسبة عالية من الأصوات في العاصمة نواكشوط التي ظلت دائما تمنح المعارضة الرتبة الأولى.

وقد استطاعت الحملة الموازية لقبيلة الرئيس المنتخب أن تجلب له عددا كبيرا من الأصوات التقليدية للمعارضة، إضافة إلى حضوره اللافت في مناطق الشرق الموريتاني الذي ينتمي إليه.

أما بالنسبة لمرشح التغيير المدني سيد محمد ولد ببكر فقد حل ثالثا متراجعا عن الرتبة التي كانت متوقعة له، ويرجع مراقبون أسباب ذلك إلى عجز ولد ببكر عن تحقيق إجماع المعارضة حوله، وبذلك ظهر مدعوما بشكل خاص من الإسلاميين الذين شهد حزبهم (التجمع الوطني للإصلاح والتنمية-تواصل) انسحابات قوية احتجاجا على دعم ولد ببكر الذي قاد حكومات ألقت برموز الإسلاميين في السجن وحلت جمعياتهم أو منعتهم من حق الترخيص السياسي في مرحلة أخرى.

وإضافة إلى ذلك، لم يخف شركاء ولد ببكر في حملته الانتخابية منذ البداية امتعاضهم من التسيير الأحادي للحملة وضعف مواردها، وكان رئيس حزب المستقبل المعارض الداعم لولد ببكر أكثر وضوحا، حيث دون بعد ظهور النتائج قائلا "ولد ببكر خاننا وخان الجموع التواقة للتغيير".

في مواجهة الغضب
وأفرزت الانتخابات بعدا جديدا من خلال الاحتجاجات العنيفة التي نشبت في مناطق يسكنها الزنوج الموريتانيون احتجاجا على نتائج الانتخابات، وقد تدخل الجيش بقوة لفض الاشتباكات مسجلا بذلك إصابات في صفوف المعتقلين.

وأخذت الاحتجاجات طابعا عنصريا، أفضى لاحقا إلى إغلاق الشرطة لمقر حزب الحركة من أجل إعادة التأسيس، برئاسة المرشح الزنجي كان حاميدو بابا.

أولويات العهد الجديد
ويواجه الرئيس الجديد لموريتانيا أزمات عديدة، أبرزها الأزمة السياسية التي عمقت الشروخ بين المعارضة والسلطة، زيادة على بروز الأزمة العرقية كورقة انتخابية رابحة، ينضاف إلى ذلك إعادة تشكيل الأغلبية التي لم تبد متموجة أكثر منها الآن.

وفي مقابل ذلك أيضا، يواجه الرئيس الجديد محمد ولد الغزواني الملف الاقتصادي بتعقيداته الشديدة على حياة المواطنين وآفاقه الواعدة في مجال الاكتشافات الغازية، كما سيواجه تركة سياسية وأمنية لم يكن بعيدا عنها، كما لم يكن محيطا بكل تفاصيلها، وخصوصا ما تدعيه المعارضة من تحكم لأسرة الرئيس المنتهية ولايته في تفاصيل المال والأعمال.

طوت موريتانيا صحفة جديدة، وأضافت نقاطا إيجابية أخرى إلى سجلها الديمقراطي، حيث يخرج الرئيس محمد ولد عبد العزيز من السلطة بعد انتهاء مأموريته دون تحطيم للدستور كما وقع في بلدان عربية كثيرة، ويُنتخب رئيس جديد بنسبة 52% من أصوات الناخبين نازلا بذلك عن نسبة التسعين التي كانت أقل ما يفوز به الزعماء العرب في انتخاباتهم في الغالب، ورغم ذلك ثمة كثير مما يقال في الانتخابات سلبا وإيجابا، وتبقى فاتحة عهد جديد؛ يقول الرئيس المنتخب إنه استمرار لنهج سلفه، فيما يود آخرون لو سلك طرقا ومناهج أخرى.

المصدر : الجزيرة + وكالات