إحياء الإدارة الأهلية بالسودان.. هل يكون سلاحا ضد قوى التغيير؟

استعانة المجلس العسكري "بالإدارة الأهلية" هدفه دعم شرعيته بسند جماهيري، حسب متابعين (رويترز)
استعانة المجلس العسكري "بالإدارة الأهلية" هدفه دعم شرعيته بسند جماهيري، حسب متابعين (رويترز)

الخرطوم-الجزيرة نت

لولا عجز قوى إعلان الحرية والتغيير في التوصل إلى اتفاق نقل السلطة مع المجلس العسكري الانتقالي، لما تذكر قاطنو المدن السودانية "الإدارة الأهلية" بعد طمرها طوال الحقب الماضية، إذ لم يعد لذلك الكيان القبلي والجهوي أثر يُذكر على أحداث السياسة السودانية منذ حل تلك الإدارة مطلع سبعينيات القرن الماضي.

ويقوم نظام الإدارة الأهلية على حكم العُمد والمشايخ في المجتمع المحلي، وفوق تلك الإدارة تقوم سلطة شيخ القبيلة، وتُعد كلمة شيخ القبيلة حكماً نهائياً نافذاً على جميع الأفراد والأسر، وهو من يمثلهم لدى السلطات المحلية والمركزية، وتطور هذا النظام خلال التجربة التاريخية منذ عهد مملكة سنار والممالك التي نشأت بعد دخول العرب السودان.

كان نظام جعفر نميري قد وصف ذلك الكيان المستند إلى الولاء التقليدي، بأنه "الحارس الأمين للتخلف والتبعية". ومنذ ذلك العهد لم تقم للإدارة الأهلية قائمة، حتى أطلت من سباتها في شخوص ورثتها التقليديين الذين استنصرت بهم قيادات المجلس العسكري ضد غريمهم المتمثل في قوى التغيير.

فقد دعت قيادة المجلس وفودا من أولئك القدامى إلى الخرطوم، وتوجه إليهم نائب رئيسه بمخاطبات عديدة، فسرها مراقبون بأنها مساعٍ لإسناد بقاء المجلس في السلطة بسند جماهيري.

بشير بله يرفض بشكل قاطع الادعاء بأنهم قدموا إلى العاصمة بعد إغداق الأموال عليهم (الجزيرة)


تفويض العسكر
واستقر المقام بقيادات الإدارة الأهلية الذين تم استدعاؤهم في قاعات ضخمة بمعرض الخرطوم الدولي. وكان أبرز ما اتفق عليه جمعهم هو تفويض المجلس العسكري لتشكيل حكومة مدنية بالاتفاق مع قوى التغيير أو بدونه.

وحتى يرى ذلك التفويض النور، ستبقى تلك القيادات في العاصمة، ويقول بعضهم إنهم سيرابطون في الخرطوم لأجل التواصل مع قواعدهم التي نزحت إلى المركز بسبب تداعيات "الترييف" الذي طرأ على عاصمة السودان.

الهادي بشير بله -العمدة بولاية النيل الأبيض وخريج كلية القانون الذي لا يكف عن الاعتزاز بانتمائه إلى حزب الأمة- يقول إنهم نحو عشرة آلاف من زعماء الريف لبوا دعوة المجلس العسكري، "لأن واجب رجل الإدارة الأهلية هو السعي في مصالح أهله حيث كانت، دون أن يتورط في تفاصيل الانتماءات الضيقة، حزبية كانت أو جهوية أو عرقية".

ويستبعد بله تشكيل حزب سياسي من جماهير الإدارة الأهلية، ويقول إن المجلس أراد من دعوتهم إلى الخرطوم أن يسمع وجهة نظرهم "بعد أن رفعت قوى إعلان الحرية التغيير سقف مطالبها بشأن الفترة الانتقالية".

ويرفض بله بشكل قاطع الادعاء بأنهم قدموا إلى العاصمة بعد إغداق الأموال عليهم، قائلا "لا أحد يستطيع أن يشترينا، ولسنا موظفين عند حميدتي أو غيره".

ويضيف "لم نتخل عن انتماءاتنا الحزبية، وما زلنا نرى أن إضعاف الأحزاب تقوية للنظام القبلي، لكن من يقول إن الإدارة الأهلية انتهى دورها فهو لا يعرف السودان".

وحول مخرجات لقاءاتهم مع حميدتي، يؤكد بله أن جمعهم أمّن على أن السودان لن يُحكم بالبندقية، وأن حل الأزمة الراهنة يتمثل في تشكيل حكومة تكنوقراط، وأن قوى التغيير تباطأت عن تشكيل تلك الحكومة.

القيادي في قوى التغيير محمد عصمت يصف حشد رجالات الإدارة الأهلية في ضاحية بُرِّي، بأنه "عمل غريب"، وأنهم في القوى كانوا يتوقعون أن تكون هذه القيادات حكماً بين المجلس العسكري وقوى التغيير، لكن ما حدث أن تلك القيادات أعلنت مساندتها لعسكرة الدولة، وهو ما يرفضه الشعب السوداني والمجتمع الدولي والإقليمي، حسب تعبيره.

وبشأن مشاركة قوى أخرى غير الإدارة الأهلية في تلك اللقاءات، يرى عصمت أن المشاركين من أساتذة جامعات ومن يدّعون تمثيل كيانات أخرى كالمرأة والشباب وغيرهم، يعيدون نفس سيناريوهات النظام السابق في التلاعب بالروح الجهوية، وأن النظام العسكري يمضي في ذات الخُطى لخلق قيادات رديفة للقبيلة والطريقة الصوفية.. وغيرها.

ويضيف أنه كان متوقعا منذ انحراف المجلس العسكري عن دور المشارك والمنحاز إلى الثورة، لجوؤه إلى استمالة قوى الثورة المضادة كي تشكل ظهيره السياسي.

عبد الحميد: لجوء المجلس العسكري إلى حشد رجالات الإدارة الأهلية هدفه الاستقواء بهم (الجزيرة)


حكمة وتقدير
ويختم عصمت بقوله إن رجال الإدارة الاهلية ظلوا محل تقدير في مجتمع السودان لما تميزوا به من حكمة وسداد رأي في حل المشاكل، حيث لم يُعرف عن أسلافهم من القيادات التاريخية انحياز إلى حاكم ضد معارضيه، وأنهم برعوا في القيام بدور الأجاويد والمصلحين بين الفرقاء والخصوم، خاصة في شرق السودان وغربه.

بدوره يرى الكاتب الصحفي عبد الماجد عبد الحميد أن لجوء المجلس العسكري إلى حشد رجالات الإدارة الأهلية هدفه الاستقواء بهم "حتى يعبر متاريس الخوف من الانقلاب المضاد".

ويضيف عبد الحميد أن قيادات المجلس لن تستفيد كثيراً من تجميع رموز الإدارة الأهلية في هذه المرحلة، لكن الفائدة الإستراتيجية قد تنعكس على الحراك السياسي إجمالا، باعتبار أن ما جرى من تجميع لتلك الوفود يُعد تحولا في قواعد التعاطي مع اللعبة الانتخابية مستقبلا.

المصدر : الجزيرة