خاشقجي ومرسي.. مشتركات الحرية و"الاغتيال" والصدمة

أمين حبلا

أعادت الوفاة المؤلمة للرئيس المصري المعزول محمد مرسي أسئلة كثيرة على ضفاف نيل الحرية العربية، وعلى ركام ثورات الربيع التي انتهت إلى صيف مؤلم ودماء غزيرة في أكثر من ميدان عربي.

تأتي وفاة مرسي المغتال بسبب السجن الطويل والتعذيب والمنع من العلاج، لتنبش في لهيب ما يصفه البعض بـ"الإرهاب" الرسمي العربي، عن رماد محرقة الكاتب السعودي جمال خاشقجي، وعن أوجه التلاقي بين ما يصفه آخرون بـ"الجريمتين" الأكثر بشاعة في عام واحد من سنوات العرب العجاف.

إصلاح من داخل السلطة
ينتمي خاشقجي ومرسي إلى مدرسة الإصلاح من داخل السلطة، وكلاهما لفظته السلطة التي يتحكم فيها عناصر أقوياء لا يشاطرون الاثنين أفكارهما الإصلاحية، بل لا يشاطرونها الحق في الحياة أصلا.

تم حرق خاشقجي في نار جهنمية ليست أقل لهبا من تلك التي تحرق اليمن وغيرها من أقطار الدم العربي النازف.

أما مرسي فقد ترك في سجن انفرادي لسنوات ست، لا رفيق له غير تراتليه التي تقطع صمت الليل وكآبة السجن الضيق. أخذ المرض يقتات طوال السنوات الست التي قضاها رهين محبس السجن والسجن الانفرادي، حتى انتهى الأمر به "شهيدا" أمام القضاء.

وفاة مرسي أثارت حزنا واسعا في أنحاء عديدة من العالم (الأناضول)

في حب البلاد
شغف مرسي وخاشقجي بحب بلديهما، وظل الاثنان يرددان دائما حبهما لمصر والسعودية، يرددها خاشقجي في خرجاته الإعلامية المتعددة قبل أن يتم إدخاله في فرن اللهب، وكان آخر حديث مرسي إلى قضاة السيسي وفقا لمصادر إعلامية:

بلادي وإن جارت علي عزيزة
وأهلي وإن ضنوا علي كرام

قبل أن يرفع السبابة إلى السماء ويسلم الروح إلى بارئها، معلنا بذلك رفع ملفه القضائي إلى محكمة الملأ الأعلى.

ألم الجماهير وصدمة القتلة
يشترك مرسي وخاشقجي في ملمح آخر من ملامح الجريمة والعقاب، فملايين الأحرار في العالم وجدوا أنفسهم أمام ليل من الحزن تجاه الحادثتين، وخصوصا بالنسبة لرئيس منتخب يتم الزج به لست سنوات في سجن مرير، قبل أن يخرج منه جثة هامدة نخرتها الأمراض والنكبات.

وفي مقابل الألم الجماهيري أصابت "الجريمتان" الحكام العرب في الغالب مع استثناء قليل جدا بصدمة مروعة، جعلتهم يدخلون وضعية الصمت تجاه ما يصفه البعض بالجريمة التي نالت من زميل لهم، أخرجته الجماهير من السجن إلى الرئاسة وأعاده العسكر إلى السجن ثم إلى القبر بعد رحلة عذاب ومعاناة طويلة.

الصمت العربي رافقه صمت عالمي رسمي هذه المرة، عكْس حالة خاشقجي التي وجد فيها العالم وخصوصا الولايات المتحدة الأميركية التي ضغط إعلامها وبعض مشرعيها بقوة على المملكة العربية السعودية.

وربما وجدها مسؤولون أميركيون أيضا فرصة لابتزاز السعودية التي درت على الجيوب الأميركية أموالا طائلة من أجل إخفاء الجريمة وآثارها القانونية، قبل أن تتفجر الإدانة من جديد عبر تقرير أنييس كالامار، مقررة الأمم المتحدة الخاصة بحالات القتل والإعدام خارج نطاق القانون، التي خلصت إلى أن قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي يشكل "جريمة قتل خارج نطاق القانون"، وأن الرياض مسؤولة عنها.

غم مضي نحو 9 أشهر على قتل خاشقجي؛ ما زالت قضيته حية متفاعلة (الأناضول)

مأزق الثورة المضادة
لا يزال قادة ودوائر الثورة المضادة -خصوصا في السعودية- يدفعون ثمن جريمة قتل خاشقجي إدانة في المحافل الدولية، وابتزازا من دوائر النفوذ، وكشفا دائما للمستور من أفعال وممارسات الحكام السعوديين والإماراتيين.

واليوم يزداد المأزق بأزمة جديدة، وهي عملية الموت البطيء للرئيس مرسي في سجون النظام المصري؛ حيث إن البلدين -بالإضافة إلى نظام السيسي- حاضران بقوة في كل تفاصيل المشهد، من حصار مرسي وهو حاكم في قصر مصر إلى الإطاحة به ثم الزج به في سجن انفرادي إلى حرق المناصرين له بالنار واللهب في ميادين القاهرة.

وأخيرا موته المؤلم الذي جاء بعد يوم واحد من زيارة رئيس الاستخبارات الإماراتية طحنون بن الشيخ زايد إلى مصر، وهي الزيارة التي لم يفوتها مدير سابق للاستخبارات الفرنسية ليربط بينها وبين الموت المفاجئ لمرسي، وفقا لوسائل إعلامية.

على صفحات وأثير الإعلام المصري تنتفض "ثرثرة كثيرة على ضفاف النيل"، إذ يتحدث "حرافيش" الإعلام المصري عن الموت الطبيعي لمحمد مرسي العياط، وكأنه لم يكن الفاصل المدني في حكم العسكر لمصر منذ عشرات السنين.

وفي أعماق الشعب المصري تتألق المأساة والحزن على رجل، كتب اسمه بمداد من النضال والألم و"الشهادة" في تاريخ مصر.

يقول أبناء مرسي إن التاريخ سوف ينصفه وإن الموت النبيل أخرجه من بين أنياب العذاب إلى فسحة الأمل، وتقول زوجته لحكام مصر "أبشروا بغمة لا تنفرج".. وعلى الضفة الأخرى تردد خطيبة خاشقجي: سوف تأخذ العدالة مجراها ولو بعد حين.

المصدر : الجزيرة