استغلالا لحاجة المضطر.. "المنسق" الإسرائيلي يغزو المجتمع الفلسطيني

جنود الاحتلال يوزعون على الحواجز العسكرية بطاقات تهنئة من المنسق خلال رمضان (مواقع التواصل)
جنود الاحتلال يوزعون على الحواجز العسكرية بطاقات تهنئة من المنسق خلال رمضان (مواقع التواصل)

عوض الرجوب-الخليل

من بوابة الحاجة وبمساعدة منصات التواصل الاجتماعي والمكاتب المنتشرة، يعود بقوة الحكم العسكري للضفة الغربية، ويغوص "المنسق" في الحياة اليومية للفلسطينيين.

وبين الحين والآخر يعلن منسق الحكومة الإسرائيلية في الأراضي المحتلة -ويتولى المنصب حاليا كميل أبو ركن- عن حملات لخدمة الفلسطينيين من بينها حملات لرفع "المنع الأمني"، وهو إجراء تتخذه سلطات الاحتلال لمنع الفلسطينيين من دخول الأراضي المحتلة عام 1948، أو السفر وغيره.

وتتولى "وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق" تطبيق سياسة حكومة الاحتلال في الضفة وغزة، والتنسيق والارتباط مع السلطة الفلسطينية، وتتبع وزير الدفاع ويترأسها "المنسق" برتبة لواء.

المنسق ينشط في المناسبات الدينية عبر توزيع بطاقات التهئة والمعايدة (مواقع التواصل)

حاجة المضطر
بمجرد الإعلان على شبكات التواصل عن المناطق المستهدفة برفع المنع، يسارع ذو الحاجة من عمال وتجار إلى مكاتب الارتباط على أمل أن يرفع عنهم المنع ويحصلون على تصاريح للعمل داخل الخط الأخضر، في حين يتفاعل آخرون مع منشوراته للسؤال عن المناطق التالية المستهدفة.

ولا يفوت المنسق المناسبات الدينية فينشر جنوده على الحواجز لتوزيع بطاقات التهنئة والمعايدة.

هذه الخطوات يرى فيها متابعون للشأن الإسرائيلي محاولة من الاحتلال للتواصل مباشرة مع المجتمع الفلسطيني بعيدا عن الجهات الرسمية الفلسطينية ممثلة بمكاتب الارتباط، وفرض تبعية الاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد الإسرائيلي.

سلوك ناعم
تزايد نشاطات المنسق يتزامن مع معاناة السلطة الفلسطينية من أزمات والتحذيرات من انهيارها، وهو ما اعتبر تهيئة لأجواء ما بعد السلطة الفلسطينية وضم الضفة لإسرائيل.

ويتحكم المنسق في كافة مناحي حياة الفلسطينيين، فهو مسؤول عن حركتهم على المعابر ودخول وخروج البضائع وتصاريح العمل والعلاج وشبكات المياه والكهرباء وغيرها. ولا يختلف إلا في بعض الجزئيات عن دور الحاكم العسكري قبل مجيء السلطة الفلسطينية.

يقول الباحث الفلسطيني المختص بالشأن الإسرائيلي عادل شديد إن "السلوك الناعم" من قبل المنسق وتوسيع الصلاحيات والدوائر التابعة له يعني فتح الحد الأقصى من قنوات التواصل والعلاقات مع المؤسسات الاقتصادية والصحية والزراعية وعامة الناس.

ولفت إلى أن إستراتيجية الاحتلال تركز اليوم على تحسين الحياة والوضع الاقتصادي ومعالجة البطالة باعتبار ذلك أرضية خصبة لمعالجة الموضوع السياسي وبالتالي الظهور بصورة جميلة وكأنه موجود لمساعدة الناس ورفاهيتهم وحل مشاكلهم وليس قوة احتلال.

عادل شديد: المنسق يتحكم في كافة مناحي حياة الفلسطينيين (مواقع التواصل)
مؤتمر البحرين
لا يمكن النظر إلى توسيع صلاحيات المنسق بمعزل عن تراجع دور السلطة الفلسطينية بعد اجتياح مناطق سيطرتها قبل أقل من عقدين، بل لتدخلات المنسق تأثير واضح على السلطة ومؤسساتها.

كما لا يمكن النظر لهذه الإجراءات بمعزل عن صفقة القرن التي يجري التحضير لها "بمعنى إحضار من يشاء من الدول العربية وإعطاء شرعية لواقع الموجود وضم 60% من الضفة إلى إسرائيل وأن تتبوأ إسرائيل مكانة مهمة".

وذكرت صحيفة يديعوت الأربعاء أن المنسق السابق لحكومة الاحتلال يوآف موردخاي سيشارك في ورشة البحرين الاقتصادية في 25 و26 من الشهر الجاري، في تأكيد جديد على أن المقصود تحسين حياة الفلسطينيين وليس إيجاد حل أو دولة لهم، وفق المتحدث.

وبالتوازي مع دور المنسق، قال شديد إن إسرائيل ومنذ ستة أشهر تعمل على توسيع مشاركة الفلسطينيين في القطاعات الاقتصادية والخدماتية المختلفة لدمج المجتمع الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي، "فلم تعد قطاعات البناء هي المفتوحة فقط، بل فتحت قطاعات الصناعة والفنادق والتكنولوجيا والجامعات والمستشفيات وغيرها".

وكل هذا يحقق هدفين "منع قيام كيان اقتصادي فلسطيني مستقل، وإتباع المجتمع الفلسطيني للاقتصاد الإسرائيلي"، وفق شديد.

دور المنسق ليس النهاية، بل يلفت المحلل الفلسطيني إلى تحضيرات إسرائيلية لإلغاء القوانين العسكرية المفروضة على الضفة كمنطقة احتلال وإحالة صلاحياتها لهيئة مدنية، وهو ما يعني تغييرا جوهريا في الوضعية القانونية لمناطق الضفة، وأنها لم تعد محتلة وفق القانون الدولي.

 الاحتلال يعمل على التواصل المباشر مع الفلسطينيين بعيدا عن الجهات الرسمية (مواقع التواصل)

وأشار إلى أن وزارة المواصلات من الجهات المطروحة لتولي إدارة شؤون الضفة، وهو ما يعني بسط سيطرتها على الشوارع، وتحوّل مدن وقرى الضفة إلى معازل.

مقومات الدولة
الحكومة الفلسطينية من جهتها رأت في تدخلات المنسق جزءا من دائرة الاستهداف الأمني والسياسي للسلطة الفلسطينية، معتبرة إطلاق النار على جهاز مقر الأمن الوقائي في مدينة نابلس قبل أيام جزءا من "محاولات تقويض البنية السياسية والأمنية لإقامة الدولة".

ومع استبعاد نجاح تلك المحاولات، تعول الحكومة على صمود الشعب الفلسطيني ووعيه وإدراكه لمواجهة كل محاولات ضرب بنيته ومناعته، حسب الناطق باسم الحكومة إبراهيم ملحم.

وتعقيبا على مشاركة موردخاي في ورشة البحرين، جدد الناطق باسم الحكومة "رفض أي مشاركة خارج إطار الشرعية الدولية"، واصفا الورشة بأنها "عمل غير شرعي لن تكون له أي قيمة مهما تغطى بمساحيق الازدهار والتنمية".

المصدر : الجزيرة