الفاعل مجهول.. حرائق ضخمة تلتهم محاصيل شرق سوريا

عدنان الحسين-الحسكة

"بينما كان مستلقيا في منزله بريف الحسكة شرق سوريا يأخذ قيلولة وسط النهار سمع صوت استغاثة: الفزعة الفزعة.. احترق الزرع".

هب مسرعا يحمل بطانيته ليجد الحريق وقد شب في محصوله ومحصول جيرانه، لكنه لم يفلح في إطفاء النيران التي التهمت كل شيء، ولم تكتف بذلك بل أخذت روحه لتصبح المصيبة مصيبتين".

بلال المحمود (شهيد الفزعة) تداول قصته ناشطون وأهالي ريف الحسكة بعد أن سقط ضحية للنيران التي تلتهم المحاصيل شرق سوريا، فهو واحد من ضمن سبعة أشخاص فقدوا أرواحهم لدى محاولتهم مواجهة حرائق المحاصيل التي لم تشهدها منطقتهم من قبل.

والتهمت الحرائق المستمرة بمناطق شرق سوريا -وتحديدا محافظة الحسكة والرقة وريف دير الزور- ما يعادل نحو أربعين ألف هكتار مربع بخسائر تجاوزت عشرين مليار ليرة سورية (حوالي 39 مليون دولار) وفق ما صرحت به الإدارة الذاتية المسيطرة على مناطق شرق سوريا.

ولعل فداحة الخسائر في سلسلة الحرائق اليومية غير المسبوقة تجعل المعنيين بالأمر -بسبب هول ما يحدث- عاجزين عن التفكير في الفاعل في الوقت الراهن، ويعطون الأولوية لوقف النيران التي باتت تحاصر بيوتهم وتهددهم مباشرةً بعد أن أتت على حقولهم.

وإذا كان الفاعل ما يزال مجهولا حتى الآن، فإن النظام السوري والإدارة الذاتية المعلنة من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي يتحملان المسؤولية من واقع كونهما يتقاسمان السيطرة على المنطقة وعاجزين تماما عن إخماد الحرائق بحسب السكان.

الحرائق التهمت حوالي نحو أربعين ألف هكتار مربع من الأراضي الزراعية (الجزيرة)

رفض المساعدة
يرى حسين جلبي (كاتب وصحفي كردي) أن رفض ما يسمى الإدارة الذاتية المساعدة التي عرضتها الخوذ البيضاء أو سلطات إقليم كُردستان -رغم عجز هذه الإدارة عن إخمادها- يجعلها تحت دائرة الشك في افتعالها لأهداف معروفة وأبرزها تجويع المنطقة وانتقاما من الفلاحين الذي عارضوا قراراتها بخصوص أسعار الحبوب بتلك المناطق.

ويقول للجزيرة إن الإدارة الذاتية حددت أسعار شراء الحبوب في المنطقة، وحصرت عمليات الشراء لها بأسعار أقل بكثير من تلك التي وضعها نظام الأسد الأمر الذي اعترض عليه الفلاحون، لأنهم اعتبروا العملية استغلالا لهم، لأن كل ما كانت ستقوم به تلك الإدارة هو فرض نفسها وسيطاً قسرياً بينهم وبين النظام، ثم تراجعت عن منع بيعها للنظام، ولم تفعل ذلك انتصارا للفلاحين بل بدأت الحرائق والكوارث.

ويعتقد جلبي أن توقيت الحرائق -بالإضافة إلى رفض المساعدة في إطفائها، مع عدم وجود عربات إطفاء كافية أو تحركها بشكل غير فعَّال، وعدم تأسيس بنية تحتية في المنطقة للتعامل مع مثل هذه الحالات، وعدم العثور على فاعل واحد أو مشتبه به- قد يكون يقف وراء الحرائق من إدارة تحصي على الناس أنفاسهم، وتتحكم بكل شئ في المنطقة، مما يجعل من أمر توجيه أصابع الاتهام للمسؤولين في الإدارة الذاتية أمراً غير بعيد عن الواقع.

الخسائر وصلت لما يقرب من أربعين مليون دولار حتى الآن (الجزيرة)
إفقار السكان
رواد خليل صحفي سوري وممن التهمت النيران حقل عائلته ولم تتمكن من إطفاء ذاك الحريق، يعزي نفسه بخسارة محصولهم لهذا العام ويقول في حديثه للجزيرة نت إن ما يحدث في شرق سوريا حرب ممنهجة وجديدة من نوعها على السوريين أو من بقي متمسكا بأرضه، من قبل جميع الأطراف الفاعلة على الأرض دون استثناء، بهدف إيقاف عجلة الاقتصاد المحلي، فالإفقار أول خطوة لتمكين السلطة، وليبقى أهالي المنطقة تحت رحمة المنظمات الإغاثية وبالتالي إعطاء غطاء سلطوي -إذا صح التعبير- لقوى الأمر الواقع التي تحكم الأرض بقوة السلاح.

والهدف الأهم برأيه يكمن في التداعيات المستقبلية لهذه الحرب، وهو أن إفقار السكان سيدفعهم إلى البحث عن مصدر رزق آخر إما الهجرة أو الانخراط في الصراع العسكري، سيما أن العاملين في الزراعة من فئة الشباب القادرة على حمل السلاح والمطلوب تجنيدهم أيا كان السبيل سواء بالعسكرة أو ضمن الأحزاب الإسمية.

من يقف وراء ذلك؟ (الجزيرة)

صراع عربي كردي
ويتخوف مراقبون من شمال وشرق سوريا من اندلاع صراع عربي كردي سببه الحرائق وتوتر الأوضاع نتيجة سياسة سلطة الأمر الواقع المتمثلة بالمليشيات الكردية.

الصحفي نجم الدين النجم من مدينة الرقة يعتقد أن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) متورطة بعمليات الحرق أو تسهيل عمليات الحرق خاصة أنها رغم اندلاع الحرائق كانت تلاحق الشبان الذين يطفئونها وتقتادهم للتجنيد الإجباري بصفوفها.

ويقول للجزيرة إن تغييب الإعلام الحقيقي عن تلك المناطق يجعل الحكم صعبا على الفاعل، لكن استمرارها سيؤدي بكل تأكيد لصراع عربي كردي يستمر لسنوات، خاصة أن المدنيين هناك يتهمون "قسد" بافتعالها إما بالحرق أو التسهيل أو العجز مع عدم قبول الناس لسلطتهم بشكل عام.

من جهته، يقول الصحفي عبد العزيز الخليفة للجزيرة نت إن "قسد" منعت دخول آلات الحصاد لريف الحسكة والدير والمناطق الشرقية رغم أن موسم الحصاد يبدأ فيها قبل نحو شهر من مناطق ريف حلب، مؤكدا وقوف "قسد" وراء تلك الحرائق كونها إحدى سياساتهم في محاربة معارضيهم.

ونفت الإدارة الذاتية علاقتها بالحرائق في تصريحات صحفية عدة، موجهة التهم للنظام السوري وتنظيم الدولة في منطقة تشهد صراعات اجتماعية وقومية واقتصادية.

المصدر : الجزيرة