التاتشر.. سيارة الرعب بالسودان

عناصر من قوات الأمن السودانية على متن تاتشرات بأحد شوارع الخرطوم (الأناضول)
عناصر من قوات الأمن السودانية على متن تاتشرات بأحد شوارع الخرطوم (الأناضول)

                                                                         الجزيرة نت-الخرطوم

تسيدت ما يطلق عليها بسيارات التاتشر مشهد الحروب والنزاعات بالسودان، ولشدة بأسها أطلق عليها هذا الاسم نسبة لرئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر الملقبة بالمرأة الحديدية.

ومن الصعوبة بمكان إحصاء سيارات التاتشر في البلاد بعد أن سعت جميع القوات العسكرية، سواء الحكومية أو الحركات المسلحة، إلى تعزيز أساطيلها من هذه العربات التي تصنعها شركة تويوتا اليابانية.

وتحولت الـ "لاند كروزر بيك أب" إلى آلة حربية شديدة الخطورة رغم أنها كانت مجرد سيارة مدنية صممت خصيصا للمناطق الصحراوية والوعرة.

وبرعت أطراف الصراع في دارفور لاسيما الفصائل المسلحة وقوات الدعم السريع بقيادة حميدتي في استخدام هذا النوع من السيارات، لكن الجديد هو استخدامها بالخرطوم حيث بات شكلها مألوفا بشوارع العاصمة واستخدمت بشكل كبير في قمع المظاهرات ضد نظام البشير وازداد انتشارها أكثر بعد الإطاحة بالنظام من قبل قوات الدعم السريع وباقي القوى العسكرية والأمنية.

وتتكون إطارات "لاند كروزر بيك أب" من طبقات تصل لعشرين طبقة، ولا تتأثر بالذخيرة من مسافات بعيدة، ولكل سيارة إطاران إضافيان، ولدى هذه السيارة ثماني أسطوانات، ومع ذلك لا تصدر صوتاً في تحركها بأقصى سرعة.

عناصر من الدعم السريع يؤمنون مكانا يعقد فيه قائد القوات حميدتي اجتماعا (رويترز)

طلب متزايد
ويقول صاحب معرض سيارات في الخرطوم -طلب من الجزيرة نت عدم ذكر اسمه- إن سيارات التاتشر تطلبها بكثافة القوات الحكومية منذ سنوات عبر وكلاء في إمارة دبي، وتدخل البلاد بلا جمارك.

ويصل سعر السيارة الواحدة حوالي ثمانين ألف دولار، وبعملية حسابية بسيطة يمكن التعرف على ما ينفق من خزانة السودان -على خوائها من العملات الصعبة- للحصول على سيارات الموت، حيث إن ألف سيارة منها يمكن أن تكلف حوالي ثمانية ملايين دولار.

والراجح أن القوات الحكومية وحركات التمرد قد تورطت في استيراد عشرات الآلاف من هذه السيارات خلال الـ 25 سنة الماضية.

وتنتشر سيارات التاتشر الآن في شوارع ولاية الخرطوم، ويمكن ملاحظتها على كل شارع وزاوية في الولاية وعليها لوحات إما قوات الدعم السريع أو الجيش أو الشرطة وحتى هيئة العمليات التابعة لجهاز الأمن والمخابرات.

لكن اللافت أن سيارات الدعم السريع هي الأحدث من ناحية الموديل والأشد تسليحا، وبمقارنة بسيطة لا يتعدى تسليح السيارة التابعة للجيش مدفع "الدوشكا" لكن سيارات الدعم السريع مسلحة بمدفع الهاون و"آر بي جي" و"م د" المضاد للدبابات، فضلا عن الراجمات.

السيارة استخدمتها قوات الأمن في تفريق مظاهرة بالخرطوم (الجزيرة)
ميلاد الرعب
ويقول الخبير العسكري الفريق محمد بشير سليمان إن سيارة التاتشر تم استخدامها في الحرب الأهلية في جنوب السودان، لكن استخدامها بشكل حقيقي برز مع الحركات المسلحة في دارفور منذ 2003.

ويشير سليمان في حديث للجزيرة نت إلى أن حركة العدل والمساواة استغلت الـ "لاند كروزر بيك أب" بشكل كبير في عملية "الذراع الطويل" عندما هاجمت الخرطوم انطلاقا من "قوز بيضة" على الحدود مع تشاد عام 2008.

وتنتشر سيارات اللاند كروزر بيك أب كوسيلة حرب ناجزة في كل الغرب الأفريقي، وحتى في الحرب الدائرة بليبيا.

وبحسب رئيس تحرير صحيفة "الجريدة" أشرف عبد العزيز فإن التشاديين أول من استخدم هذا النوع من السيارات، في حرب شنها الرئيس الأسبق حسين حبري ضد التدخل الليبي في بلاده خلال ثمانينات القرن الماضي.

ويشير إلى أن التشاديين استغلوا متانة هذه السيارة في اقتحام المواقع والاصطدام بأهداف العدو، لكن تسليحها بالمدافع هو ما اكتشفته على ما يبدو حركات دارفور وفقا لعبد العزيز.

يتم تسليحها بالمدافع ومضادات الدبابات والطائرات (رويترز)

مميزات
ويبدو أن صلابة سيارة "لاند كروزر بيك أب" أسالت لعاب أمراء الحرب في السودان، ولحقت بهم القوات النظامية التي تسعى لاقتناء المزيد منها باستمرار.

ويقول الفريق سليمان إن التاتشر لديها قدرة كبيرة للغاية على التغلب على كل المناطق الوعرة سواء كانت الأرض طينية أو رملية، موضحا أن إطاراتها مصنوعة على نسق إطارات الطائرات وبالتالي من الصعب أن تتعرض للوحل.

كما أن هذه السيارة -طبقا لسليمان- لديها قدرة فائقة على المناورة مما أهلها لتكون العربة الأولى في القتال، قائلا "كل الدول الآن تستخدم هذا النوع من السيارات في القتال لقدرتها العالية للمناورة.. لا شيء يوقفها".

ويؤكد أن التاتشر الآن المركبة الأولى للمشاة فهي تحمل الجنود ويتم تسليحها بمدافع "الدوشكا" ومضادات الطائرات والدبابات، فضلا عن أنها متعددة الأغراض، في القتال المباشر والمتحرك".

داء ودواء
وشكل اعتماد قوات الدعم السريع على سيارات التاتشر عاملا مهما في تميزها على الجيش -الذي يعتمد على المجنزرات والآليات الثقيلة- في حسم حركات التمرد في دارفور ومنطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق.

واستغلت الحركات المسلحة بدارفور سابقا سرعة المناورة التي تتميز بها اللاند كروزر لمهاجمة مواقع الحكومة والفرار بسرعة، وهو ذات الأمر الذي مكن قوات حركة العدل والمساواة من الوصول إلى الخرطوم رغم وجود معلومات استخباراتية بتحركها.

وفي حديث للجزيرة نت، يقول الصادق يوسف نائب رئيس حركة العدل والمساواة إن لاند كروزر بيك أب التي تتسم بقوة التصنيع من الخسارة أن تستخدم في الحروب.

وينصح يوسف شركة تويوتا اليابانية المصنعة بأن تراجع سجلها لأنها أصبحت سيارة غير مرحب بها وسط السودانيين، ويزيد "بات استخدامها باعثا للرعب بين المواطنين وارتبط اسمها بالجرائم".

استخدمت بكثافة في الحرب بدارفور (الفرنسية)

التاتشر والثورة
ومنذ أن اندلعت الاحتجاجات الحالية في ديسمبر/كانون الأول الماضي، شكلت سيارات التاتشر حضورا لافتا إذ إن قوات الشرطة وجهاز الأمن استخدمتها في قمع الثورة.

لكن اللافت أن التاتشر فقدت بين أزقة أحياء الخرطوم قدرتها على المناورة فتعرضت للانقلاب في عدة مناطق مما سهل استيلاء المحتجين عليها وإتلافها بعد هروب الجنود.

ويقول "فريد" من حي بري للجزيرة نت إنه كان شاهدا على اصطدام سيارتين من نوع التاتشر في أحد ميادين الحي القريب من وسط الخرطوم بعد أن فقد جنودها السيطرة وهم يطاردون المحتجين.

وصبيحة فض الاعتصام أمام قيادة الجيش في 3 يونيو/حزيران الحالي، حاصرت تشكيلة من سيارات التاتشر التابعة لعدة قوات نظامية وشبه نظامية المعتصمين في وقت هاجمت تشكيلات أخرى المعتصمين مما أوقع أكثر من مئة قتيل.

ولم ير السودانيون في السابق سيارات التاتشر كآلية تحمل الموت إلا عبر شاشات التلفزة التي تعرض أزمة دارفور، لكنهم ومنذ ستة أشهر يعايشون "رعب" استخدام هذه السيارة في الحروب عيانا بيانا.
المصدر : الجزيرة