صحيفتان فرنسيتان: الخرطوم لم تفق بعد من هول الصدمة

لاكروا: السودانيون مصرون رغم الغضب على أن تظل ثورتهم سلمية (غيتي)
لاكروا: السودانيون مصرون رغم الغضب على أن تظل ثورتهم سلمية (غيتي)
بعد أسبوعين من مجزرة فض الاعتصام أمام قيادة الجيش في الخرطوم الذي ذهب ضحيته أكثر من مئة قتيل لا تزال العاصمة السودانية تحت الصدمة ولا يزال الخوف مسيطرا على الناس، إلا أن بعض الناشطين بدؤوا يخترعون طرقا جديدة للمقاومة ومواصلة الزخم الثوري المفقود.

وقد اتفقت صحيفتا ليبراسيون ولاكروا الفرنسيتان على أن مذبحة الثالث من يونيو/حزيران كبحت الزخم الديمقراطي الذي رافق سقوط نظام الرئيس عمر البشير في منتصف أبريل/نيسان الماضي.

وقالت مراسلة صحيفة ليبراسيون من الخرطوم باتريسيا هون إن الحفاظ على الأمل أصبح عملا شجاعا في الخرطوم، وإن الشعور بالحرية كان قصير الأجل، وذلك بعد عدة أشهر من المظاهرات التي أدت إلى إسقاط الدكتاتور عمر البشير في 11 أبريل/نيسان بعد ثلاثين سنة من السلطة.

مراسلة صحيفة ليبراسيون من الخرطوم باتريسيا هون في تعليقها على الوضع بعد فض الاعتصام: الحفاظ على الأمل أصبح عملا شجاعا في الخرطوم، والشعور بالحرية كان قصير الأجل
وأوضحت هون أنه في الوقت الذي كان فيه المحتجون يطالبون بحكومة مدنية ويواصلون اعتصامهم -الذي دام قرابة شهرين أمام قيادة الجيش- وكان المجلس العسكري الانتقالي الذي يدير البلاد يتردد في تقاسم السلطة فإن قوات الأمن أطلقت النيران على الحشد ووقعت المجزرة.

وتقول إيمان أسامة "لقد أرادوا كسرنا عاطفيا لكنهم لن يوقفوا حركتنا، الكلمة الأخيرة ستكون للشعب"، فتعلق المراسلة بأن معلمة الإنجليزية هذه ترفع شارة النصر ولكن الحزن يظهر في عينيها وحركة يدها.



 سلمية رغم الغضب
وتضيف المعلمة بكلمات بدت للمراسلة مؤلمة وغير كافية لوصف الإذلال والوحشية التي عانت منها أن حسن (رفيقها) "يروي لأول مرة ما شاهده، فقد كان موجودا هناك عندما دوت طلقات الرصاص الأولى عند الفجر".

ويقول حسن (الاسم مستعار) الذي مات صديقه بين ذراعيه "فجأة رأيت الناس يسقطون وفهمت ما كان يحدث، لم تكن مفاجأة، لقد كان أمرا فظيعا، حاولنا حمل الجثة لكن الرجال الذين يرتدون الزي العسكري أمرونا بتركها هناك"، لقد أجبروه على الاستلقاء على الأرض وضربوه بالعصي مع شباب آخرين ونساء.

ويتهم حسن -كما تقول المراسلة- قوات الدعم السريع شبه العسكرية التابعة للفريق محمد حمدان دغلو المعروف باسم "حميدتي" قائلا "لقد وضعوا بندقية على رأسي، أرادوني أن أصرخ بأنني أحب حميدتي وأن أقول إنه قائدنا، رأيت رجلين من دارفور قتلا بالرصاص من مسافة قريبة، لقد اغتصب آخرون، كانت محاولة المساعدة نوعا من التضحية بالنفس".

وقالت صحيفة لاكروا إن القيادي في تجمع المهنيين محمد ناجي الأصم قال في مقابلة نادرة على الإذاعة الأميركية "إن بي آر" إن "البعض قد تم اغتيالهم، وقد تلقى الكثير منهم تهديدات بالقتل عن طريق الرسائل القصيرة أو المكالمات الهاتفية".

وأضافت الصحيفة أن إسكات المواطنين السودانيين قد فشل حتى الآن، خاصة بعد الاستجابة على نطاق واسع للدعوة التي وجهها تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير إلى العصيان المدني، حيث حولوا الخرطوم والعديد من المدن السودانية الرئيسية إلى مدن أشباح لمدة ثلاثة أيام.

 



وكأن شيئا لم يكن
وأشار الموفد الخاص لصحيفة لاكروا إيمانويل حداد إلى نقل مئات من المواطنين للتظاهر لصالح الجيش، وقال إن حميدتي -الذي يعلم الجميع أنه الرجل الأول رغم أنه نائب الرئيس- خاطب هذا التجمع واعدا بعدم ترك مجال "للفوضى"، وبتسليم السلطة إلى الشعب "عندما يحين الوقت"، مضيفا أن فك الاعتصام كان فخا نصب لقواته.

وقالت الصحيفة إن الناس في الخرطوم يصفون حميدتي بأنه أمير حرب متعطش للدماء، وسارق ماشية بدون تعليم، ومرتكب فظائع لا تحصى في دارفور، وبأنه مختطف الثورة في الخرطوم.

في المقابل، تنقل صحيفة لاكروا عن أحمد -وهو منتج أفلام- قوله إن الهدف من سؤال الناس هو وضع خريطة لعملية فض الاعتصام القاتلة "نحن نستعد لاحتمال إجراء تحقيق دولي من خلال جمع كلام المتظاهرين الحاضرين في ذلك اليوم، ومن خلال شهاداتهم نريد إعادة بناء تسلسل زمني لعمليات القتل التي بدأت في الساعة الخامسة صباحا، لإثبات أنه كان هجوما مخططا ومنسقا، ويجب أن نعلن ذلك في أسرع وقت ممكن لإظهار أن قصة المجلس العسكري الانتقالي ملفقة".

الناس في الخرطوم يصفون حميدتي بأنه أمير حرب متعطش للدماء، وسارق ماشية بدون تعليم، ومرتكب فظائع لا تحصى في دارفور، وبأنه مختطف الثورة في الخرطوم


وفي السياق، نبهت مراسلة ليبراسيون إلى أن الاعتصام الذي شكل في وقته مهرجانا ضخما ومكانا للاجتماعات والتعبير والذي جسد الزخم الديمقراطي لم يتبق منه شيء، وحتى اللوحات الجدارية الملونة التي تزين الجدران المحيطة به والتي أصبحت رمزا للثورة أصبحت مغطاة بالطلاء الأبيض وكأن الاعتصام "لم يحدث أصلا" كما يقول الموسيقي عوض إلياس، مضيفا "إنها العودة للمربع الأول، هذا المكان كان مذهلا، كانت هناك طاقة وتضامن لم أره من قبل في أي مكان آخر".

وعلقت المراسلة بأن الصدمة عميقة، إذ تقول المسؤولة عن مركز جامعة الأحفاد للصحة العقلية سليمة شريف إن "الناس في حالة حداد، حتى أولئك الذين لم يحضروا المذبحة، إنهم يندبون الموتى وفقدان الاعتصام".

اتصالات شفهية

وأشارت المراسلة إلى أن قطع الإنترنت -الذي اعتبره المجلس العسكري تدبيرا وقائيا للأمن القومي- أغلق باب الشبكات الاجتماعية التي كانت منفذا للتعبير عن الإحباط والغضب والألم بالنسبة لمن فقدوا أحباءهم ودمرت أحلامهم في الحرية.

وفي هذا الجو القمعي -حسب المراسلة- تحاول المقاومة إعادة تنظيم نفسها، إذ دعا تجمع المهنيين السودانيين إلى استئناف الاحتجاجات ليلا في الشوارع، بعد تعليق إضراب عام لمدة ثلاثة أيام الأسبوع الماضي، وقد تم بالفعل نشر مقاطع الفيديو الخاصة بالتجمعات السرية على صفحة بفيسبوك، ويتابعها 800 ألف شخص.

ونبهت المراسلة إلى أن المعلومات والشعارات أصبحت تنتشر في جميع أنحاء العاصمة شفهيا وعن طريق الرسائل النصية القصيرة من خلال لجان الأحياء التي أنشئت لمساعدة حركة الاحتجاج، خاصة في نقل المعلومات وتقديم الدعم المالي للأسر الأشد فقرا والتنسيق.

ويقول محمد ناجي الأصم -وهو أحد زعماء الاحتجاج ومتحدث باسم تجمع المهنيين السودانيين- "إننا ننظم أنفسنا لمتابعة العصيان المدني السلمي، لن ندع دكتاتورية أخرى تستقر".

ومع ذلك -تقول المراسلة- إن الخوف هو السائد، وإن الكثيرين ممن لديهم القدرة المادية بدؤوا يغادرون البلاد سرا مخافة تحطيم معنويات من هم قادرون على الاستمرار أو من ليست لديهم خيارات أخرى، ويقولون إنهم على استعداد للخروج إلى الشارع.

ويقول حسن إن "المعركة لم تنته بعد، نحن بحاجة إلى استراحة، هناك الكثير من الغضب، إنها مجرد خطوة إلى الوراء قبل بدء القتال مرة أخرى".

المصدر : ليبيراسيون,لاكروا