هل تعيد فضيحة "تليغرام" دا سيلفا للمشهد السياسي في البرازيل؟

تسريبات الرسائل أدت لموجة مطالبات بالإفراج عن دا سيلفا المحكوم عليه بالسجن في قضايا فساد (رويترز)
تسريبات الرسائل أدت لموجة مطالبات بالإفراج عن دا سيلفا المحكوم عليه بالسجن في قضايا فساد (رويترز)

حسان مسعود-ساوباولو

لم تمض الأشهر الستة الأولى من حكم الرئيس اليميني الجديد جايير بولسونارو للبرازيل إلا وواجه حكمه واحدة من أكبر موجات التسريبات التي استهدفت وزير العدل المقرب جدا منه سيرجيو مورو، متعلقة بسجن الرئيس الأسبق لولا دا سيلفا بتهم فساد.

وأدت هذه التسريبات لخلط الكثير من الأوراق وطرح تساؤلات جدية عن واقع القضاء البرازيلي وصحة الأحكام في أكبر قضايا الفساد في تاريخ البلاد المعروفة باسم "لافا جاتو" أو "غسيل السيارات"، وهي القضية التي حكم على إثرها على دا سيلفا بالسجن ثماني سنوات.

والمثير في التسريبات أن الوزير نفسه كان المسؤول الأول عن التحقيق في القضية وسجن مسؤولين كبار في الدولة والمؤسسات الحكومية الكبرى، وفي مقدمتها شركة النفط الكبرى في القارة اللاتينية "بتروبراس".

التسريبات كشفت عن ترتيبات لمحاكمة دا سيلفا بين القاضي الذي يتولى منصب وزير العدل حاليا والمدعي العام (رويترز)

اختراق وتسريبات
التسريبات -التي أصبحت حديث الشارع البرازيلي ووسائل الإعلام المحلية والدولية- نشرها موقع "ذا إنترسبت" من خلال تحقيق للصحفي جلين جرينوالد ومجموعة من زملائه، قال إنه حصل خلالها من مصدر مجهول على رسائل ومحادثات مخترقة أجريت عبر تطبيق "تليغرام" خلال الفترة بين أكتوبر/تشرين الأول 2015 ويوليو/تموز 2017.

وبحسب التحقيق، فإن الرسائل -التي كانت متبادلة بين القاضي المسؤول عن ملف قضية الفساد الشهيرة والمدعي العام المسؤول عن الادعاء في القضية ذاتها المحامي ديلتان دالانغول- تؤكد أن الرجلين تواصلا بشأن تفاصيل القضايا وآليات العمل عليها، خصوصا فيما يخص قضية الرئيس اليساري الأسبق لولا دا سيلفا.

وبشأن طبيعة هذه التسريبات، يقول أنجيلو ديل فيكو رئيس المجلس الأعلى لكلية علم السياسة والاجتماع في ساوباولو للجزيرة نت "إن هذه التسريبات تعتبر ذات طبيعة خطيرة للغاية، لأنها تظهر تواطؤا بين المدعين العامين الذين هم الطرف المعني بالاتهام وبين القاضي الذي يجب أن يحكم في القضية".

وتابع أن "ما أثبتته التسريبات كان يشير إلى انتهاك مبدأ العدالة البرازيلية من خلال تدخلات تفوق تبادل الآراء، إلى تعليمات بإجراءات الملاحقة القضائية واقتراح إستراتيجيات لمحاكمة المتهمين ومقاضاتهم، بما في ذلك الاعتقال المؤقت للرئيس السابق لولا".

وأضاف فيكو "وصل الحال إلى التدخل في رفض إجراء الرئيس الأسبق لولا مقابلة مع إحدى الصحف من أجل الحصول على مكاسب انتخابية، وهو أمر يتعارض مع الدستور البرازيلي، لأن القاضي في هذا الموقف يعتبر مساعدا للادعاء وأحيانا مرشدا له، وهذا أمر غير صحي".

التسريبات أدت لموجة كبيرة من الجدل في الشارع ووسائل الإعلام والجميع يترقب جلسة المحكمة العليا نهاية الشهر الجاري (رويترز)

ردود باردة رغم الزوبعة
وعلى الرغم من أن التسريبات أحدثت ضجة إعلامية وشعبية كبيرة في الشارع وفي وسائل الإعلام وصلت بالبعض للمطالبة باستقالة وزير العدل سيرجيو مورو وإطلاق سراح دا سيلفا فإنها قوبلت بنوع من التجاهل من قبل الوزير المعني والرئيس بولسونارو.

القاضي مورو صرح بأنه "لا يرى شيئا غير طبيعي في هذه التسريبات"، مؤكدا "أن فرصة استقالته بسبب هذه التسريبات تساوي صفرا"، وأعلن عن استمراره في "مكافحة الفساد والفاسدين"، في حين أكد الرئيس البرازيلي على ثقته الدائمة بوزيره المقرب، وذلك في أول رد له على ما يتعلق بالقضية بعد تجاهل استمر أربعة أيام.

وفي تحليل له بشأن طبيعة ردود الفعل الرسمية، يشير البروفيسور أنجيلو ديل فيكو للجزيرة نت إلى أن "رد الفعل الحكومي جاء خجولا بشكل مدهش رغم محاولة الرئيس إظهار ثقته بالوزير مورو عبر اصطحابه معه إلى عدد من المناسبات والأحداث الرياضية".

وأضاف "بالمقابل، لا يمكن أن نغفل أن المدافع الأقوى عنه وهو الرئيس البرازيلي، انتظر أربعة أيام ليدلي بتصريح، وهي نقطة تحتاج التوقف عندها".

وقال أيضا "مهما كانت نتائج هذه التسريبات فإن ما لا شك فيه أن صورة مورو القوية التي حاول بناءها منذ سنوات قد اهتزت لدى الشارع أولا ولدى أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، وهو ما سيؤثر على أدائه حتما".

ويختم ديل فيكو بـ"أن نفي مورو وجود شيء غير طبيعي في مضمون التسريبات يثبت بشكل غير مباشر صحتها وصحة مضمونها".

دا سيلفا أكد في مقابلة تلفزيونية مؤخرا أنه قادر على إثبات براءته حتى دون توكيل محام (رويترز)

سيناريوهات قضية لولا
وارتباط قضية وزير العدل سيرجيو مورو وتسريبات محادثاته بمحاكمة زعيم اليسار البرازيلي لولا دا سيلفا بات وثيقا للغاية، بعدما بدا كأنه يتدخل في موعد احتجازه ومنعه من الحديث للصحافة قبيل الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي كان يحظى بها بفرص فوز كبيرة، وفقا لاستطلاعات الرأي البرازيلية. 

ودفع هذا الأمر الرئيس لولا للتصريح في مقابلة تلفزيونية من محبسه في مدينة كوريتيبا جنوبي البرازيل لقناة "تي في تي" عقب التسريبات، قائلا "لم أتفاجأ بهذه التسريبات، لأنني أعلم أنني بريء، وأن سجني كان لأسباب سياسية ترضي المجموعة التي تحكم البرازيل اليوم لمنعي من الترشح للانتخابات وخدمة بلادي".

وأضاف "كنت وما زلت أنتظر الخروج إلى الحرية وإثبات براءتي أمام العالم، ولطالما أكدت أنني لا أحتاج حتى إلى محام لأنني أستطيع أن أدافع عن نفسي وأثبت براءتي، فحتى اليوم لم يستطع أحد أن يثبت عليّ أي تهمة، ورغم تفتيش شقتي وشقق أسرتي لم يجد أحد قرشا واحدا من أموال الشعب البرازيلي".

دا سيلفا على موعد حاسم يقرر استمرار سجنه أو إطلاق سراحه في السادس والعشرين من الشهر الجاري (رويترز)

السجن أو البراءة
وينتظر لولا موعد السادس والعشرين من الشهر الجاري الذي ستعقد فيه جلسة للمحكمة العليا للنظر في قضيته وإعطاء قرار في إبقائه في السجن أو إخلاء سبيله.

وبشأن سيناريوهات قضيته، يقول أستاذ القانون الجنائي في كلية باوليستا للقانون المحامي المتخصص فرناندو هيديو للجزيرة نت "بلا أي مجال للشك فإن القرار الصائب في الحالة -التي نحن أمامها- من تدخل كبير للقاضي الذي كان مسؤولا في قضية الرئيس لولا هو إطلاق سراحه حالا إلى أن يتم البت بالقضية وصحتها من الناحية القانونية".

وأضاف "ما جرى من تدخل في الادعاء والمحاكمة كان يفوق مستوى الانحياز من قبل القاضي إلى أحد الأطراف إلى مستوى التدخل المباشر في تفاصيل القضية وإجراءاتها".

لكنه أكد في المقابل أن "الأدلة التي هي على شكل تسريبات في هذه القضية لم تأتِ بطريقة شرعية للمحكمة، وهذا ما قد يضعف كونها حجة قانونية لإطلاق سراحه، إلا أن الضجة الإعلامية والضغوط الكبيرة ووضوح الحالة قد تؤثر على القرار النهائي".

من جهة أخرى، توقع هيديو أن تلعب السياسة دورا كبيرا في القضية، خصوصا فيما يخص الرئيس لولا، لأن القضية بالأساس هي قضية سياسية، مشيرا إلى أن التسريبات الأخرى التي من المتوقع أن تنشر أيضا قد تكون عاملا مغيرا لمسار وتطورات الأمور في المرحلة المقبلة.

المصدر : الجزيرة