ما حقيقة موقف القاهرة من الأزمة السودانية؟

رئيس المجلس العسكري السوداني عبد الفتاح البرهان اختار القاهرة لتكون وجهته الأولى بعد توليه منصبه (مواقع التواصل)
رئيس المجلس العسكري السوداني عبد الفتاح البرهان اختار القاهرة لتكون وجهته الأولى بعد توليه منصبه (مواقع التواصل)

دعاء عبد اللطيف-القاهرة

قبل أيام من فض اعتصام المعارضة السودانية أمام القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم، جلس الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في قصر الاتحادية بالقاهرة مبتسما ابتسامة عريضة للكاميرات وبجواره رئيس المجلس العسكري الانتقالي السوداني عبد الفتاح البرهان الذي ابتسم ابتسامة صغيرة.

اختار البرهان القاهرة لتكون وجهته الأولى بعد توليه منصبه، ثم اتجهت طائرته إلى أبو ظبي ليعود الرجل إلى الخرطوم، وتفض قواته بعدها بأيام الاعتصام الذي يدعو لتولي سلطة مدنية إدارة البلاد.

تلك الجولة التي جرت أواخر مايو/أيار الماضي اعتبرها مراقبون بمثابة ضوء أخضر لإنهاء حالة الاعتراض من جانب الثوار على الحكم العسكري.

ورغم ما تبدو عليه القاهرة من سعي حثيث لإنجاح الانقلاب العسكري في السودان، فإن موقفها يبدو أقل صخبا في الميل المعلن للعسكر، وقد يرتبط ذلك بالمصالح السياسية والاقتصادية المعلقة بين البلدين والتي لا تتطلب الرهان الصريح على طرف معين. 

الخارجية المصرية تؤكد في بياناتها دعم استقرار السودان (الجزيرة)

ديباجة الأمن والاستقرار
تقدم القاهرة نفسها أمام كل تطور يحدث جنوب حدودها كراع للأمن والاستقرار، رغم أن المدقق في الصورة يجد السلطة المصرية منحازة إلى طرف بعينه، لكنها لا تتمسك بهذا الانحياز طيلة الوقت.

فمع بداية الاحتجاجات ضد الرئيس السابق عمر البشير بدت القاهرة منحازة للنظام السوداني. وذكر تقرير لموقع صحيفة أوريان 21 الفرنسية، نقلا عن مصدر مسؤول، أن السيسي أكد لنظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال زيارة الأخير للقاهرة مطلع العام الجاري، دعم القاهرة للبشير خشية اختفائه من دون أي ترتيبات تحضيرية سليمة، مما قد يجعل السودان دولة أخرى تعمّها الفوضى.

وفي مارس/آذار الماضي، استقبل السيسي الفريق عوض بن عوف وزير الدفاع السوداني ونائب البشير، وأكد خلال اللقاء دعمه لأمن السودان.

لكن القاهرة سرعان ما غيّرت موقفها عقب الإطاحة بالبشير، فسارعت وزارة الخارجية المصرية إلى إصدار بيان أكدت فيه دعم خيارات الشعب السوداني، مشددة على ثقتها الكاملة في الشعب السوداني وجيشه.

وخلال اللقاء الأخير بين البرهان والسيسي، أكد الأخير دعمه الكامل لأمن واستقرار الخرطوم، ومساندته لخيارات الشعب السوداني، والحفاظ على مؤسسات الدولة.

وجاء التعليق المصري على فض اعتصام المعارضة السودانية امتدادا للمواقف السابقة، فصدر بيان عن وزارة الخارجية يدعو لالتزام كافة الأطراف السودانية بالهدوء وضبط النفس والعودة إلى مائدة الحوار، لتحقيق مستقبل أفضل للشعب السوداني. 

النظام المصري يخشى انتقال عدوى الثورة السودانية إلى مصر (الجزيرة)

مخاوف القاهرة
لدى القاهرة العديد من الملفات العالقة مع الخرطوم، وعلى رأسها ملفا سد النهضة ومثلث حلايب وشلاتين، لذا يبدو أنها قررت عدم التصادم مع أي سلطة محتملة سواء مدنية أو عسكرية.

كان الخلاف جليا بين مصر ونظام البشير المنحاز لإثيوبيا في ملف سد النهضة، والذي يلوّح -مع تصاعد أي أزمة داخل السودان- بأحقية الخرطوم في مثلث حلايب وشلاتين.

إلى جانب ذلك، يرى مراقبون قلقا لدى السلطة المصرية من نجاح الديمقراطية المدنية في حكم دولة على حدودها، فمخاوف عدوى الثورة لا تزال قائمة خاصة مع معاناة المصريين الاقتصادية ووأد الحياة الديمقراطية.

وهناك مخاوف مشابهة لدى السعودية والإمارات، فالجيش السوداني يشارك في الحرب على اليمن المسماة بعاصفة الحزم، فضلا عن هواجس تسرب الثورة إلى شعوبهما.

وبناء على ذلك تعهدت السعودية والإمارات بتوفير ودائع مالية للسودان بقيمة 3 مليارات دولار، وقد أودعتا 500 مليون دولار مبدئيا في المصرف المركزي منذ إطاحة البشير.

وفي تغريدة له، طالب "تجمع المهنيين السودانيين"، أبرز جماعات الاحتجاج السودانية، بعض الدول العربية -لم يسمها- بكف يدها عن التدخل في الشأن السوداني بمناصرة المجلس الانتقالي العسكري.

وفي حوار مع وكالة الأناضول، قال القيادي في "قوى إعلان الحرية والتغيير" علي محمود حسنين إن أي دولة تدعم "النظام الانقلابي سنعتبرها عدوا للشعب السوداني".

أيضا تحدث تقرير أعدته شبكة "دويتشه فيله" الألمانية عن وجود قوى إقليمية ليس من مصلحتها بدء عملية ديمقراطية ناجحة في السودان، في مقدمتها أنظمة السعودية والإمارات ومصر.

حفارو القبور
ووصف التقرير الدول الثلاث بـ"حفاري قبور الربيع العربي"، مضيفا أن تلك البلدان تدعّم الجيش السوداني الذي يشارك جنوده في حرب اليمن، إلى جانب رفضها انطلاق عملية ديمقراطية ناجحة في السودان، لأن ذلك قد يشجع قوى المعارضة لديها.

وصرح عضو تجمع المهنيين السودانيين أزهري الحاج بأن قوى الحرية والتغيير تعرف تماما الدور الذي تلعبه كل من القاهرة والسعودية والإمارات لدعم الثورات المضادة، "إلا أنها كانت تراهن على سودانية وإنسانية وإسلام العسكر"، حسب قوله.

وفي افتتاحيتها، نسبت صحيفة غارديان البريطانية إلى محللين قولهم إنه ليس من قبيل المصادفة أن الحملة العنيفة المفاجئة على المتظاهرين بالخرطوم أعقبت سلسلة من الاجتماعات بين قادة "الطغمة العسكرية" هناك والأنظمة العربية "الاستبدادية" التي تحاول تشكيل مستقبل السودان.

قوى الحرية والتغيير في السودان تطالب دولا إقليمية بعدم التدخل في الشأن السوداني (الجزيرة)

منع الفوضى
لكن هناك اتجاها يرفض وضع القاهرة في بؤرة المحرك السلبي للأحداث بالسودان، ففي مقاله "الطريق الصحي إلى استقرار السودان"، استبعد الكاتب الصحفي القريب من السلطة مكرم محمد أحمد أن تكون مصر هي من يرسم سلطة الأمر الواقع للمجلس العسكري السوداني.

ووصف من يشيع ذلك بالمغرضين، مؤكدا حرص القاهرة على ألا ينزلق السودان إلى مرحلة الفوضى الشاملة، ووقف أي تدخل إقليمي خارجي في شؤونه، وتواصل الحوار بين المجلس العسكري وقيادات قوى الحرية والتغيير.

وأضاف مكرم الذي يرأس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر، أن ما تقترحه القاهرة يمثل عمليا أقصر الطرق لخروج السودان من أزمته الراهنة إلى مرحلة جديدة ينعم فيها بالأمن والاستقرار.

تجربة مشابهة
في المقابل قال وكيل لجنة العلاقات الخارجية السابق بالبرلمان المصري جمال حشمت إن النظام المصري الحالي يملك تجربة شبيهة بما يجرى في السودان.

وأضاف للجزيرة نت أن السلطة في مصر تدعم الانقلابات العسكرية أو أي قوى مناوئة للإسلاميين، كما تؤيد استعمال أقصى درجات العنف في مواجهة الجماهير التي تطالب بالحريات.

رغم ذلك، اعتبر حشمت اللقاء الأخير بين السيسي والبرهان لم يكن إعلان دعم القاهرة للعسكر السوداني، بل لقاء لتبادل الخبرات في مجال فض الاعتصامات، في إشارة إلى فض الجيش المصري اعتصام ميداني رابعة العدوية والنهضة في عام 2013.

وليست مصر وحدها التي تؤيد الانقلاب العسكري في السودان، وفق قول البرلماني السابق، بل "دول العالم المؤثرة تتخذ الموقف نفسه، حديث عن الديمقراطية ودعم كامل للاستبداد والتنكيل بالمعارضين".

المصدر : مواقع التواصل الاجتماعي,الجزيرة,الإعلام المصري