ماذا تخفي قرارات القضاء الأردني بحق الإخوان المسلمين؟

أنصار جماعة الإخوان المسلمين في مظاهرة نصرة للقدس قرب العاصمة عمّان (الأناضول)
أنصار جماعة الإخوان المسلمين في مظاهرة نصرة للقدس قرب العاصمة عمّان (الأناضول)

محمود الشرعان-عمّان

بعد سنوات من النزاع القانوني والسياسي حول شرعية جماعة الإخوان المسلمين في الأردن، أصدرت محكمة التمييز الأردنية -أعلى سلطة قضائية في المملكة- قرارا يحسم الوضع القانوني للجماعة.
 
فقد قضت المحكمة أمس الأربعاء بأن جمعية الإخوان المرخصة عام 2015 -التي تضم منشقين عن الجماعة الأم- ليست خلفا قانونيا لجمعية الإخوان المسلمين (التي أنشئت عام 1946) المنحلة قانونيا، لأنها بلا وجود قانوني منذ عام 1953، وبالتالي فلا يتم إيجاد خلف لشخصية غير موجودة قانونيا.

وتعود جذور القضية لعام 2015، حينما رفعت الجمعية المنشقة دعوى قضائية ضد أعضاء المكتب التنفيذي للجماعة آنذاك، باعتبارهم يضعون أيديهم على أموال وعقارات مسجلة بأسمائهم الشخصية، في الوقت الذي تعود ملكيتها للجمعية المرخصة، واعتبرت المحكمة أن جمعية 2015 لا تشكل -بموجب القرار الصادر عنها- خلفا قانونيا لجمعية 1946.
محكمة التمييز الأردنية اعتبرت أن جمعية الإخوان لا تمثل خلفا قانونيا للجماعة الأم (الأوروبية)


جدل قانوني
القرار أثار جدلا قانونيا في الأردن، إذ تعتبره الجمعية المنشقة بمثابة إعلان قضائي يتضمن حل الجماعة بشكل نهائي وحسم مصيرها القانوني، وفقا لحديث المراقب العام للجمعية شرف القضاة.

ويرى القضاة -ردا على سؤال بشأن عدم اعتبار الجمعية وريثا شرعيا للجماعة وفقا للحكم الصادر عن محكمة التمييز- أن جمعية الإخوان الأم ليس لها وريث ثانٍ، بحجة عدم الوجود القانوني للجماعة من الأصل، مضيفا أن جمعيته ستتابع الإجراءات القانونية والقضائية حتى يتم تصويب الأوضاع.

ويقول المراقب العام للجمعية إن القرار قضائي بحت وليس سياسيا.

أما الجماعة التي مارست العمل السياسي والدعوي داخل الأردن منذ أكثر من 70 عاما، فقد أوضحت -في تصريح صحفي صادر عنها- أن القرار لا ينص على حل جماعة الإخوان المسلمين، وإنما ورد ذكر الحل في سياق تسبيب المحكمة لقرارها النهائي، حيث أعادت القضية مرة أخرى إلى محكمة الاستئناف.

في حين يوضح الناطق الإعلامي باسم الجماعة معاذ الخوالدة أن قرار محكمة التمييز ينص على أن الجمعية التي أنشئت عام 1946 منحلة حكما، بسبب صدور قانون الجمعيات الخيرية بتاريخ 16 فبراير/شباط 1953.

ويؤكد الخوالدة الذي يرتكز على وثيقة قانونية، أن الجماعة الحالية أعادت تسجيل نفسها كجماعة وليس كجمعية بتاريخ 25 فبراير/شباط 1953، أي بعد صور القانون سالف الذكر، وذلك يعني أن قرار المحكمة لا يتحدث عن الجماعة القائمة التي رخصت بقرار مجلس الوزراء حينها.

وينبه الناطق الإعلامي إلى أن الجماعة تعاملت مع مختلف الحكومات طوال عقود من الزمن بعد تأسيسها عام 1946، وحصلت على موافقات رسمية وتراخيص قانونية لامتلاك العديد من العقارات وفق السجلات الرسمية المعتمدة.

ويأتي قرار المحكمة بعد أن أصدر ديوان التشريع والرأي (الحكومي) فتوى عام 2015 تجيز نقل أملاك جماعة الإخوان المسلمين لصالح الجمعية، باعتبارها الخلف القانوني، وفق مدير الديوان السابق نواف العجارمة.

بيد أنه ومع القرار الجديد، فإنه لا يحق للجمعية المطالبة باسترداد واستحقاق الأموال موضوع الدعوى، بحسب المستشار القانوني لجماعة الإخوان المسلمين المحامي بسام فريحات.

وتأسست جمعية الإخوان المسلمين عام 2015 على يد المراقب العام الأسبق لإخوان الأردن عبد المجيد ذنيبات، بدلا من "جماعة الإخوان المسلمين" الحالية، بدعوى إعادة الأمور إلى نصابها وفك الارتباط بين جماعة إخوان الأردن وتنظيم الجماعة في مصر.

وتطالب الجمعية بالحصول على أملاك الجماعة وعقاراتها، بحجة أنها الخلف القانوني والشرعي لها، فيما وجهت اتهامات للجمعية بأنها صنيعة الدولة الأردنية لشق صفوفها.

ويرى الكاتب والمحلل السياسي عريب الرنتاوي أن القرار يبقي الخيارات مفتوحة أمام الحكومة، بعد أن جرّد الجماعة الأم من كيانها وشرعيتها.

ويتابع أن القرار جرّد أيضا الجمعية من هويتها كوريث شرعي لجماعة إخوان الأردن، رغم كل الادعاءات التي قامت عليها، خاصة حجة أنها "الوريث"، واصفا القرار بأنه "ضربة قاضية" ضد الجمعية، وإن كانت الحكومة الأردنية توجه في ذات الوقت ضربة بنقاط للجماعة الأم.

ويتزامن القرار الجديد مع قرار سابق صدر في مايو/أيار الماضي لمحكمة جنايات عمّان، يتضمن براءة 24 قياديا إخوانيا من المشرفين على جمعية المركز الإسلامي الخيرية، من كافة التهم التي وجهت لهم من قبل النيابة العامة منذ 13 عاما.

يرى مراقبون أن هناك انفراجة في علاقة الإخوان المسلمين بالدولة في الأردن (رويترز)


انفراج سياسي
ويؤكد الرنتاوي أن قرار تبرئة قيادات الجماعة يثبت أن المسار القضائي يواكب السياسي، مجسدا الانفراج السياسي بين الإخوان والدولة، وهو ما يشير إلى المصالح العميقة بين الطرفين.

ويعتبر الكاتب أن الإخوان يعلمون خطورة الموجة العاتية ضدهم الآن من قبل بعض الدول العربية والغربية، وبالتالي فإنهم مضطرون لانحناءات خاصة بعد نجاح المعادين للإخوان في مصر والإمارات والسعودية بدفع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للتفكير بإدراجهم على قائمة منظمات الإرهاب.

والتقى الملك الأردني عبد الله الثاني بكتلة الإصلاح النيابية المنبثقة عن جماعة الإخوان في أبريل/نيسان الماضي، في لقاء وصفته الكتلة بـ"الإيجابي" وبأنه يشكل جسرا لاستئناف التواصل والعلاقة بين الحركة الإسلامية والنظام، بعد فترة قطيعة طويلة لاعتبارات داخلية وخارجية.

المصدر : الجزيرة