اليوم العالمي لمكافحة عمالة الأطفال.. الفقر يغتال البراءة بمصر
عـاجـل: السيناتور الجمهوري ليندزي غراهام: إذا خضعنا للابتزاز الإيراني فإن كوريا الشمالية ستقدم على نفس الأعمال

اليوم العالمي لمكافحة عمالة الأطفال.. الفقر يغتال البراءة بمصر

مصر في مقدمة الدولة العربية من حيث عمالة الأطفال بنسبة 25% (الجزيرة)
مصر في مقدمة الدولة العربية من حيث عمالة الأطفال بنسبة 25% (الجزيرة)

محمد سيف الدين-القاهرة

لا يعبأ رامي كثيرا بطفولته التي سلبت منه بسبب الظروف المعيشية الصعبة التي دفعته للعمل سائق "توكتوك" (دراجة نارية بثلاث عجلات وتعد وسيلة المواصلات السائدة في قرى مصر والمناطق الشعبية بالقاهرة).

ورغم مخالفته القانون، فإن الطفل المصري -الذي لا يتجاوز عمره 13 عاما- يرى أن الظروف كانت أقوى منه، وهي التي دفعته لذلك، موضحا أنه اضطر للعمل بعد وفاة والده الذي كان العائل الوحيد لأسرته، فضلا عن ارتفاع تكاليف المعيشة في السنوات الماضية.

ورغم صغر سنه، قرر رامي أن يتقاسم مع إخوانه الثلاثة مرارة توفير لقمة العيش، حيث يعمل يوميا عشر ساعات، لكي يستطيع توفير دخل مجدٍ، بحسب حديثه للجزيرة نت.

معاناة رامي ليست الوحيدة، ويتجدد الحديث عنها سنويا في 12 من يوينو/حزيران كل عام، وهو اليوم العالمي الذي حددته منظمة العمل الدولية لمكافحة عمل الأطفال.

ويوجد بمصر نحو 2.8 مليون طفل من نفس الفئة العمرية لرامي (12 إلى 17 عامًا) يعملون في مجالات مختلفة، وذلك وفق تقدير منظمة العمل الدولية الصادر في نوفمبر/تشرين الثاني 2017.

في حين تقول آخر الإحصاءات الرسمية المصرية -التي صدرت نهاية عام 2010- إن عدد الأطفال العاملين بالبلاد يبلغ نحو 1.5 مليون طفل. 

قيادة التوكتوك من أكثر المجالات التي يعمل بها لأطفال في مصر (الجزيرة)

مصر الأولى عربيا
وتعد مصر في مقدمة الدولة العربية من حيث عمالة الأطفال، كونها تستحوذ على 25% من نسبة انتشار الظاهرة في الوطن العربي، وتقول إنها تسعى للقضاء على تلك الظاهرة بحلول 2025، من خلال بعض الإجراءات التي اتخذتها العام الماضي، مثل إعادة تأهيلهم ودمجهم اجتماعيا، مع أخذ احتياجات أسرهم بعين الاعتبار، وفق ما أعلنه وزير القوى العاملة محمد سعفان.

ومن بين هذه الإجراءات -التي تحدث عنها الوزير المصري في تصريحات صحفية سابقة- تكثيف الحملات التفتيشية على المنشآت التي يحتمل أنها تشهد كثافة في عمالة الأطفال بها، والتركيز بشكل خاص على المنشآت الزراعية.

ومن أكثر الأعمال شيوعا بين أطفال مصر الزراعة، حيث تصل نسبتها إلى 63% من إجمالي عمالة الأطفال، في حين تبلغ النسبة في المواقع الصناعية والتشييد والبناء والصناعات التحويلية نحو 19% وفق تقديرات رسمية.

ويبدو أن تحركات الدولة لم تؤت ثمارها بعد، حيث شككت النائبة البرلمانية أنيسة حسونة في قدرة الجهات المعنية بالطفل على حل أزماتهم.

وقالت -في طلب إحاطة تقدمت به لمجلس النواب (البرلمان) نهاية الشهر الماضي- إن مؤسسات الدولة المعنية بحقوق الطفل فشلت في التعامل المبكر مع المشكلات والأمراض المجتمعية التي يتعرض لها الأطفال.

وأوضحت النائبة البرلمانية أن هناك انتشارا واضحا لعمالة الأطفال واستغلالهم في التسول في الشوارع في كثير من المحافظات، وذلك بالمخالفة للقانون، وفي ظل تخاذل من الجهات المعنية. 

أسباب الظاهرة
وعلى صعيد الأسباب التي تقف وراء انتشار ظاهرة تشغيل الأطفال في مصر، ترى أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس ساندي بركات أن الفقر والأوضاع الاقتصادية المتردية يأتيان في المرتبة الأولى، حيث تدفع الأسر الفقيرة أطفالها إلى سوق العمل، وترك الدراسة في أغلب الأوقات إذا لزم الأمر.

ويعاني نحو 60% من المصريين من الفقر، أو باتوا قريبين منه، وذلك بسبب الإصلاحات الاقتصادية التي تتخذها الحكومة، والتي بدأت بتحرير سعر صرف العملة المحلية (الجنيه) في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، وفق ما أعلنه البنك الدولي في مايو/أيار الماضي.

ويأتي بعد ذلك التفكك الأسري في بعض العائلات، والتي باتت ظاهرة منتشرة في المجتمع المصري، وهو ما يدفع الطفل نحو التشتت والتشرد، ويجد نفسه بعد ذلك مضطرا للبحث عن فرصة عمل ليعيل نفسه، بحسب ما أوضحته الخبيرة الاجتماعية في حديثها للجزيرة نت.

وخلال الآونة الأخيرة، وصلت حالات الطلاق في مصر إلى مليون حالة، بواقع حالة واحدة كل دقيقتيْن ونصف الدقيقة، في حين بلغ عدد المطلقات أكثر من 5.6 ملايين، مما تسبب في تشريد ما يقرب من سبعة ملايين طفل، وذلك وفق تقرير صادر عن مركز معلومات رئاسة الوزراء خلال العام الماضي. 

حلول جذرية
وللقضاء على تلك الظاهرة، يرى الدكتور محروس الفقي الخبير الاجتماعي أن الدولة مطالبة بحلول جذرية للمشكلة، والتي هي اقتصادية في المقام الأول، حيث يجب أن تتوسع في تمويل المشاريع الصغيرة التي تساعد الأسر على زيادة دخلها دون عمل الأطفال، خاصة بعد زيادة معدلات الفقر في البلاد خلال الآونة الأخيرة.

كما طالب الفقي -في حديثه للجزيرة نت- بضرورة مراقبة أرباب العمل، وفرض عقوبات وغرامات عليهم في حال تشغيل الأطفال واستغلالهم والتي تظهر بشدة في فصل الصيف، خاصة في القرى والمناطق الريفية في مصر.

ويرى الخبير الاجتماعي أن عمل الطفل ليس بالضرورة أن يكون سيئا، فمن الممكن أن تتم مشاركتهم في أعمال اجتماعية وثقافية تتناسب مع طبيعة مراحلهم العمرية، خاصة في فترة الصيف التي لا توجد فيها دراسة.

ولكنه -في المقابل- حذر من أن يتم إقحام الطفل في أعمال شاقة لا تتناسب مع طبيعة سنه أو عمره، مما يؤثر عليه سلبا نفسيا وصحيا واجتماعيا.

ويجرم القانون المصري عمل الأطفال قبل 15من عمره، وذلك طبقا للمادة 58 من تعديلات قانون الطفل رقم 126 لعام 2008، لكنه يسمح للأطفال تحت سن الرابعة عشرة بالعمل تحت مسمى التدريب، وهو ما يرى خبراء أنه بمثابة باب خلفي لتقنين عمالة الأطفال.

المصدر : الجزيرة