سيصعب علينا تصديق ما نراه.. عصر التزوير العميق قادم

التكنولوجيا الرقمية تجعل من إنتاج المواد الإعلامية المزيفة والمُقنِعة أمرا سهلا للغاية (الفرنسية)
التكنولوجيا الرقمية تجعل من إنتاج المواد الإعلامية المزيفة والمُقنِعة أمرا سهلا للغاية (الفرنسية)

في المستقبل القريب، سيكون من السهل إنتاج مقاطع فيديو مزيفة، فالأمر سهل بقدر سهولة قدرتنا على الكذب، وبناء على ذلك يجب علينا أن نكون جاهزين لهذا التغيير.
 
في مقالها الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، تطرقت أستاذة الفلسفة في جامعة يورك بمدينة تورنتو الكندية، ريجينا ريني، إلى مقال نشره موقع ديلي بيست الأميركي مطلع شهر يونيو/حزيران الجاري حول تزييف مقاطع الفيديو.

ويُظهر هذا المقطع رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي وهي تتلعثم بكلماتها وفي حالة سكر واضح، وقد تمكن صانع الفيديو من فبركته عن طريق أخذ مقطع أصلي وإبطائه ثم ضبط درجة صوتها لتمويه هذا التلاعب.
 
بناء على التعليقات في مواقع التواصل الاجتماعي، وقع العديد من الناس في شرك هذا التزوير في بادئ الأمر، معتقدين أن بيلوسي كانت في حالة سكر أثناء التحدث إلى وسائل الإعلام.

ويمكن تفسير هذا الأمر بأن الناس يميلون إلى تصديق الأمور السيئة حول السياسيين الذين يكرهونهم، كما هي الحال مع حادثة "فضيحة البيتزا" التي اتهمت كلينتون والعديد من السياسيين الديمقراطيين على إثرها بالمتاجرة بالأطفال.
 
بالعودة إلى مقطع الفيديو الذي تظهر فيه نانسي بيلوسي، كشفت الكاتبة أن المواطن شون بروكس قد أنتجه، وأفاد مسؤولون في فيسبوك بأنه كان أول شخص يُحمِّله على حسابه.

ومن جهته، ينكر بروكس هذا الأمر، وهو الذي لطالما عُرِف بأنه صانع محتوى رقمي يهدف إلى خدمة مصالح الرئيس الجمهوري ترامب. 
 
المحتوى المزيف
وفي حين ذهب بعض الصحفيين والمعلقين إلى لوم موقع ديلي بيست بسبب كشفه لهوية ناشر مقطع الفيديو، يبدو أن هناك سببا وجيها يدفع الصحفيين لفضح صانعي المحتوى المزيف على شبكة الإنترنت.

وبشكل عام، نحن نعيش في عصر تكون فيه معرفة أصل مقطع فيديو منشور على الإنترنت بقدر أهمية معرفة المحتوى نفسه.
 
وأوضحت كاتبة المقال أن التكنولوجيا الرقمية تجعل من إنتاج المواد الإعلامية المزيفة والمُقنِعة أمرا سهلا للغاية، فمقطع الفيديو الذي أنتجه بروكس بسيط ويمكن لأي شخص إنتاج فيديو مماثل، بعد مشاهدة مقاطع فيديو تعليمية بخصوص تحرير الفيديو على موقع يوتيوب.
 
وفي المقابل، يستلزم المحتوى المزيف الأكثر تعقيدا، الذي يعرف باسم "المحتوى المزيف العميق"، استخدام تقنيات الخوارزميات لتصوير الناس وكأنهم يقومون بأشياء لم يفعلوها أبدا.

ولا يقتصر هذا التزييف على إبطاء نطق الناس للكلمات أو تغيير درجة صوتهم فقط، بل إن هذه المقاطع ستظهرهم بصدد فعل أشياء لم يسبق لهم قولها على الإطلاق.

والجدير بالذكر أن أحد الأبحاث الحديثة قدمت تقنية لتحريك كامل أجزاء الجسم، وهو ما يمكن استخدامه لتزوير حركات أي شخص مشهور.
 
وبينت الكاتبة أن هذه التقنية الحديثة لم تُستخدَم حتى الآن في السياسة الأميركية، إلا أنها لعبت دورا كبيرا في إشعال فتيل أزمة سياسية في الجابون في وقت سابق من السنة الحالية.

التلاعب بالصوت
ومن المؤكد أن سيل التقارير الحالية حول الأخبار المزيفة ليست سوى غيض من فيض لما سيحدث عندما يُصبح أي شخص يمتلك جهاز حاسوب عاديا، قادرا على التلاعب بأصوات وصور وكلمات الآخرين.
 
لتبين مدى رجاحة كشف موقع ديلي بيست لهوية منشأ مقطع الفيديو المزيف، يمكننا الجمع بين التطور التكنولوجي ونظرية المعرفة، لنجد أن محرري الموقع الأميركي كانوا محقين فيما فعلوا.

ومن جهتهم، يصنف كثير من الفلاسفة المعاصرين أنواعا مختلفة من الأدلة وفقا لموثوقيتها، فهل يمكننا الوثوق بهذا المحتوى عندما يكون مدعوما بمثل هذه المعلومات؟
 
أوضحت الكاتبة أننا نميل إلى تصديق المحتوى البصري والمسموع ونعتبره مبررا للغاية، فإذا رأيتَ شيئًا بعينيك، من المرجح أنه سيكون عليك تصديقه، فعلى سبيل المثال، تعتبر الشهادات التي يقدمها الآخرون مبرَّرة بعض الشيء، لكنها لا تكون مقنعة بقدر المحتوى الذي ندركه بحواسنا.

وعلى الرغم من أن حواسنا قد تتعرض للخداع في بعض الأحيان، فإن حدوث ذلك أقل احتمالا.
 
والجدير بالذكر أن هذا المعتقد ظل شائعا حتى تم دحضه في الآونة الأخيرة، حيث باتت وظيفة مقاطع الفيديو التي نشاهدها بأعيننا أقل قدرة على تحقيق هذا الإدراك.

فبركة ممكنة
وفي حين نميل إلى تصديق المَشاهد التي التقطتها الكاميرا، مما يعني أننا سنثق بمحتوى الفيديو إذا كنا نثق بإدراكنا الخاص.

وبشكل عام، يمكن لخبراء الفيديو في هوليود إنتاج أي مقاطع فيديو وفبركتها كما يريدون بواسطة الصور المنشأة بالحاسوب.
 
وفي الوقت الحالي، وبالتزامن مع ظهور تقنية "المحتوى المزيف العميق"، ستكون القدرة على إنتاج مقطع فيديو مزيف ومقنع على نطاق واسع مماثلة تقريبا لقدرتنا على الكذب.

وبمجرد حدوث ذلك، يجب علينا النظر إلى الصور على أنها أقرب إلى كونها إدراكا، بمعنى أنه يجب علينا الثقة بالتسجيل فقط عندما نثق بمصدره أو بالشخص الذي ينتجه.
 
واستنتجت الكاتبة أن هذا التوجه يعني أن مصدر مقطع الفيديو الذي ظهرت فيه نانسي بيلوسي ليس مهما، فهذه المرة تمكن كثيرون من الوصول إلى المصدر، لكن المستقبل لن يتضمن أي نسخة أصلية لنقارن بها الفيديو. ولمعرفة ما إذا كان مقطع الفيديو المتنازع عليه حقيقيا، سنحتاج إلى معرفة من قام بإنتاجه في المقام الأول.
 
وفي الختام، إنه لمن الجيد أن الصحفيين بدأوا في تعقب منشئي المحتوى الغامض على الإنترنت، كما أننا نتوقع عملا كبيرا من وسائل الإعلام.

وعندما نصل إلى وقت ننشئ فيه محتوى مزيفا عميقا ومكتملا، سنكون سعداء لأننا على استعداد لمجابهته. وفي الوقت الحالي، سيكون من الأفضل وجود مقاطع الفيديو المزيفة التي تتخذ من السياسيين هدفا لها، نظرا لأنها تنير بصائرنا وتوجه أبصارنا وتدفعنا لعدم الثقة بمقاطع الفيديو التي نشاهدها.

المصدر : نيويورك تايمز