شبح الثانوية يواصل مطاردة الطلاب وأسرهم بمصر

حسن المصري-القاهرة

انطلق ماراثون امتحانات الثانوية العامة في مصر بمشاركة نحو 659 ألف طالب وطالبة بالصف الثالث الثانوي، أمام 1817 لجنة امتحان على مستوى محافظات الجمهورية.

ونظرا لما تشكله الثانوية العامة من تحديد لمستقبل الطلاب؛ أصبحت منذ سنوات بعيدة شبحا يطارد الطلاب وأسرهم على حد سواء، حيث بات من المألوف رؤية مشاهد الإغماء بين الطلاب والطالبات، بل ووصل الأمر إلى حد الانتحار شنقا أو بالسم، وربما بالقفز من أعلى البنايات الشاهقة.

الأرقام والإحصاءات الرسمية لوزارة الصحة خلال العام الماضي التي أجريت على عينة من 320 فصلا دراسيا؛ تبين أن نحو 21.7% من طلبة الثانوية العامة يفكرون في الانتحار.

وبسبب هذا، أعلن وزير التعليم طارق شوقي مواجهة ما يعتبره المصريون "بعبع الثانوية العامة"؛ كناية عن النظام التعليمي السلبي الذي بات يهدد آلاف الأسر، خلال مؤتمر صحفي في يوليو/تموز 2018، مؤكدا أن معالجة ظاهرة الانتحار أهم من نتيجة الثانوية العامة.

إغماءات وإصابات
لكن يبدو أن شبح الثانوية ما زال يطارد الطلاب، فمع اليوم الأول للامتحانات السبت الماضي ظهرت حالات إغماء، فضلا عن وفاة طالبة بسبب القلق الزائد، رغم ما ذكره بعض الطلاب بشأن سهولة امتحان اللغة العربية.

ففي محافظة الشرقية وحدها، أصيب نحو ستة طلاب، بالإضافة إلى وفاة طالبة بعد تناولها جرعة زائدة من عقار مهدئ بإحدى اللجان بالمحافظة ذاتها.

أما في محافظة الدقهلية فسقطت مروحة سقف على رأس طالب بمدرسة بطرة الثانوية بنين، لينقل للمستشفى مباشرة، كما أصيب ستة طلاب بالإغماء، وفي أسيوط (جنوب البلاد) تعرض ثلاثة طلاب للإغماء، ومثلهم في محافظة البحيرة.

المثير أن امتحان اللغة العربية تم تسريب أسئلته عبر صفحات الغش الإلكتروني التي تطلق على نفسها اسم "شاومينج"، رغم تأكيد الوزارة اتخاذ كافة الإجراءات الأمنية لمكافحة تسريب الامتحانات.

الثانوية العامة باتت تمثل شبحا يطارد الطلاب وأسرهم لما تمثله من تحديد لمستقبلهم (مواقع التواصل)

 

واليوم الاثنين نشرت صفحة "بالغش اتجمعنا" صور امتحان مادة الاقتصاد مصحوبة بالأجوبة، وذلك بعد مرور نحو 15 دقيقة من بداية الامتحان.

ونقلت الصحف المحلية عن مصادر بوزارة التعليم أن فريق "الغش الإلكتروني" يتابع الأسئلة المتداولة للتحقق من صحتها، وفي حال التأكد منها يجري تتبع مصدر النشر لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

وقال وزير التعليم طارق شوقي أمس في تصريحات تلفزيونية إن سبب نشر صور الامتحانات على مواقع التواصل هو عدم تفتيش طلاب اللجان الخاصة من ذوي الإعاقة أو المرض، حيث لا تجري عليهم إجراءات التفتيش المشددة المتبعة مع باقي الطلاب.

قلق الأسرة والطلاب
في حديثه للجزيرة نت، يقول الطالب أسامة الشرقاوي إنه مهما حاول السيطرة على نفسه فمشاعر القلق تظل ملازمة له، رغم إدراكه أن القلق لن يفيد وربما يضره، مرجعا ذلك إلى ثقافة المجتمع التي تجعل الثانوية العامة أحد أهم المراحل في حياة الإنسان.

القلق لا يقتصر على الطلاب فقط، بل يمتد إلى الأهالي خاصة الأمهات، حيث أصبح من المعتاد مشاهدة الكثير من الأمهات ينتظرن خارج المدارس لحين انتهاء الامتحانات، وسط خوف على مصير أبنائهن.

منة الله أحمد إحدى الأمهات تؤكد للجزيرة نت أن فترة الامتحانات بمثابة الطوارئ القصوى، فهي لا تستطيع النوم، وبالكاد تأكل وتشرب خوفا على مستقبل ابنتها، مضيفة "فالعام الحالي تحديد مصير؛ إما إلى كلية مناسبة أو ضياع مستقبلها في مهنة غير لائقة بعد التخرج".

وأبدت ارتياحها عقب انتهاء امتحان اللغة العربية والتربية الدينية، آملة أن تستمر الامتحانات على المنوال ذاته والقدر من السهولة واليسر.

جدل التجربة
"لا أثق في تصريحات وزير التعليم بخصوص تطوير التعليم بالصورة المأمولة أو القدرة على منع حالات الانتحار أو الإغماء داخل اللجان". هكذا شكك الباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية كمال مغيث في خطة وزير التعليم لمواجهة شبح الثانوية العامة.

وفي حديثه للجزيرة نت، اعتبر مغيث أن أبرز دليل على رأيه هو أن النظام التعليمي القديم كما هو لم يتغير، رغم إعلان الوزير استحداث نظام جديد متمثل في قياس المهارات وتنميتها لا الحفظ والتلقين".

ورجح مغيث أن يكون امتحان اللغة العربية جاء سهلا في مستوى الطالب المتوسط بأوامر من جهات عليا خوفا من إغضاب الأهالي والتسبب في مشاكل ومظاهرات على غرار ما حدث مع طلبة الصف الأول الثانوي.

وأشار إلى أن تطبيق منظومة التابلت (الجهاز اللوحي) في امتحانات الصف الأول الثانوي أثار غضبا شعبيا واسعا إثر تكرار أعطال النظام وعدم قدرة الطلاب على النفاذ إلى الامتحانات.

وخلال شهر رمضان تظاهر طلاب الصف الأول الثانوي احتجاجا على فشل تجربة الامتحان الإلكتروني، فضلا عن صعوبة الامتحانات الورقية، مطالبين بعودة النظام القديم ورحيل وزير التعليم، كما عبر العديد من أولياء الأمور عن غضبهم من الضغط النفسي المستمر عليهم وعلى أبنائهم، مما جعل شبح الثانوية العامة يطاردهم منذ الصف الأول، والذي كان يعتبر في السابق نوعا من التمهيد "لمعركة" الصف الثالث.

في المقابل، يرى الخبير التعليمي سيد جاد أن نظام الامتحانات الجديد يأتي من أجل التخلص من ظاهرة الغش التي تفشت خلال الفترة الماضية، مشيرا إلى أن "البوكليت" قد يكون حلا مؤقتا لمثل تلك الظاهرة المستفحلة، ولكن لا يمكن التعويل عليه.

ولفت جاد في حديثه للجزيرة نت إلى أن الامتحان الإلكتروني وظيفته منع حالة التوتر لدى الطلاب، حيث يمكن تأدية الامتحان في أي مكان وفي أي وقت، وهو ما كان يعنيه وزير التعليم بإطلاقه هذا النظام.

المصدر : مواقع التواصل الاجتماعي,الجزيرة