تصفيات واسعة بعد هجوم سيناء.. عندما ترفع الدولة شعار الثأر

تساؤلات وشكوك حول إعلان الشرطة المصرية عمليات تصفية مسلحين في سيناء ردا على هجمات أوقعت ضحايا (مواقع التواصل)
تساؤلات وشكوك حول إعلان الشرطة المصرية عمليات تصفية مسلحين في سيناء ردا على هجمات أوقعت ضحايا (مواقع التواصل)

عبد الرحمن محمد-القاهرة

أثار إعلان وزارة الداخلية المصرية عملية تصفية ثالثة لمن قالت إنهم "إرهابيون متورطون" في مهاجمة أحد الكمائن الأمنية جنوب مدينة العريش بمحافظة شمال سيناء، تساؤلات عن أبعاد ودلائل التوسع في هذه العمليات.

ووفق بيان مصور لوزارة الداخلية، قتلت قوات أمنية أربعة أشخاص صباح السبت الماضي خلال مواجهات، قالت إنها مع متورطين في الهجوم الذي راح ضحيته ثمانية عناصر من قوات الجيش والشرطة الأربعاء الماضي.

وكانت الداخلية قد أعلنت خلال الأيام الماضية تصفية 22 شخصا بدعوى تورطهم في الهجوم، ومقتل خمسة وقت وقوع الحادث، ليصل عدد من قتلوا باعتبارهم متورطين في الهجوم إلى 31 شخصا.

التساؤلات عن التوسع في عمليات التصفية على خلفية الهجوم عززها تتابع هذه العمليات، وعدم كشف الداخلية عن أسماء القتلى فيها، رغم رواياتها "الواثقة" بتورطهم في الهجوم، كما أضعف مصداقيتها ما تضمنته الصور المصاحبة لتبني تنظيم ولاية الدولة المسؤولية عن الهجوم التي أظهرت عددا محدودا لمنفذيه.

وتشن قوات من الجيش والشرطة منذ فبراير/شباط 2018 حملة أمنية واسعة تحت اسم "العملية الشاملة" للقضاء على الجماعات المسلحة التي تتركز في محافظة شمال سيناء، ويشكو سكان المنطقة من أن هجمات الأمن لا تفرق -في كثير من الحالات- بين المسلحين والمواطنين.

تشكيك
النقيب السابق بوزارة الداخلية المصرية محمد صلاح يرى أن بيانات الوزارة الصادرة في هذا السياق "مختلقة وتعتمد وقائع غير حقيقة"، ذاهبا إلى أن أغلب من تقول إنهم قتلوا في مواجهات معها قد ماتوا تحت وطأة التعذيب أو جرت تصفيتهم وهم عزل.

ويشير الضابط السابق في حديثه للجزيرة نت إلى أن الشواهد السابقة على عدم تورع الداخلية عن الكذب كثيرة، أبرزها قضية الإيطالي جوليو ريجيني، الذي قتل من أجل إغلاق قضيته كثيرون، بينما لا يزال المتهم الحقيقي طليقا.

ويذهب الضابط المعارض إلى أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظامه مستفيدون من هذه العمليات، لأنها تساعدهم في إثارة الرأي العام وتجديد تعاطفه، باعتباره السيسي الحصن أمام خروج الأمر عن السيطرة، بحسب وصفه.

ولفت إلى أنه من ضمن سياسة وزارة الداخلية المعروفة لمنتسبيها، "حملات التأديب والانتقام" التي يكبر حجمها ويزيد عددها بقدر ما تستهدفه من انتقام وثأر، مضيفا "الشرطة لن تتحرج في أن يظهر كذبها في ما تدعيه من تفاصيل في هذا الشأن طالما حققت غرضه".

ويرى صلاح أنه ربما يكون منفذو الهجوم قد قضوا في هذه العمليات، إلا أن هذه العمليات في تقديره لن تتوقف، وربما يصدر قريبا بيان جديد لاستهداف مجموعة أخرى متهمة بالتورط في الهجوم ذاته.

هيبة الدولة
التوسع في تنفيذ عمليات تصفية على خلفية حادثة هجوم واحدة، يراه أحمد مولانا الباحث في شؤون الحركات الإسلامية والجهادية "متسقا مع طبيعة الحدث" الذي يأتي إثر عملية شاملة كان يروج باستقرار واستتباب الأمر بعدها في سيناء.

ويستحضر مولانا في حديثه للجزيرة نت تباهي السيسي في خطابه خلال احتفال ليلة القدر قبل حادث الهجوم بأيام قليلة، بأن الأوضاع في سيناء "بقت (أصبحت) زي الفل"، الأمر الذي يضعف مصداقيته ويظهر النظام بمظهر المرتبك.

ويضيف مولانا "الغرض من التوسع بعمليات التصفية، استعادة ما يسمونها هيبة الدولة، وهم في ذلك يتبنون الاستبداد كمقاربة لمكافحة التمرد، والتي تقوم على عدم الاقتصار في الانتقام على المسلحين وإنما تجاوزهم للأهالي والسكان زيادة في التنكيل والإرهاب".

ويرجح عدم نجاح وزارة الداخلية حتى الآن في الوصول إلى الفاعل الحقيقي للهجوم، وإلا لم تكن لتضطر إلى هذه العمليات الثلاث التي راح ضحيتها قرابة ثلاثين شخصا، معتبرا أن الهدف الحقيقي منها هو إشباع رغبة الثأر والانتقام.

ألف مسلح
بينما يرى الناشط والباحث بشؤون سيناء عيد المرزوقي أنه لو صدق انتماء 10% ممن تعلن وزارة الداخلية تصفيتهم، للتنظيمات المسلحة بسيناء، لانتهى أمر تلك التنظيمات منذ سنوات.

ويشير المرزوقي في حديثه للجزيرة نت إلى أن السيسي أقر بأن عدد المنتمين لتلك التنظيمات في سيناء لم يتجاوز ألف مسلح، في حين تضمنت بيانات الجيش والشرطة الإعلان عن قتل سبعة آلاف شخص في سيناء بدعوى انتمائهم لتلك التنظيمات.

ويقول المرزوقي وهو أحد أبناء سيناء ويقيم بالخارج حاليا، إن الحكومة "تكذب" على شعبها لتحشدهم خلفها في المعركة ضد الإرهاب، لكن أهالي سيناء "ما زالوا يراهنون على وعي الإنسان المصري وضميره الحي"، متسائلا عن الدوافع الحقيقية لإغلاق سيناء أمام وسائل الإعلام، وتعمد عدم ذكر أسماء المقتولين في العمليات.

حقوقيا، يرى مدير مركز "الشهاب" لحقوق الإنسان خلف بيومي، أن النظام المصري يتحمل المسؤولية الكاملة عن الدماء المسالة من مختلف الأطراف، والناتجة حسب رأيه عن سياساته الخاطئة.

ويشدد بيومي على أن الرغبة الجامحة لدى وزارة الداخلية في الثأر لضحاياها في الهجوم، هو الدافع لقيامهم بأكثر من عملية تصفية على خلفية حادثة واحدة، مرجحا أن يكون من تمت تصفيهم ممن كانوا مختفين قسريا تحت يد السلطات.

وأضاف أن الشرطة إذا كانت على صواب في استهدافها من تجزم بتورطهم في الحادثة، ما كانت لتخفي أسماءهم أو تمانع في تسليم جثثهم إلى ذويهم، الأمر الذي لا يُتَوقع حدوثه، حسب رأيه.

الثأر
على الجانب الآخر اعتبرت وسائل الإعلام المحسوبة على النظام أن عمليات التصفية هي ثأر للضحايا، كما تقدمت فائقة فهيم، عضو مجلس النواب، باقتراح لإطلاق أسماء الضحايا على المدارس القريبة من محل إقامتهم في مختلف المحافظات.

وقالت فهيم في بيان لها يوم السبت "إن مصر لم يغمض لها جفن حتى استردت حقوق أبنائها الشهداء الذين لقوا ربهم في أول أيام عيد الفطر المبارك، ممن لا دين لهم ولا وطن ولا يمتون بصلة للإنسانية".

وأضافت "مازالت قوات الجيش والشرطة تدك معاقل وبؤر الإرهاب في شمال سيناء، لتلقين هؤلاء الخونة درسا مفاده أن دماء هؤلاء الشهداء غالية".

المصدر : الجزيرة,الإعلام المصري