في الذكرى الخامسة.. كيف كان يوم سقوط الموصل؟

في الذكرى الخامسة.. كيف كان يوم سقوط الموصل؟

تنظيم الدولة حرص على إشعال النيران في مراكز للشرطة والجيش لبث الرعب يوم سقوط الموصل (رويترز)
تنظيم الدولة حرص على إشعال النيران في مراكز للشرطة والجيش لبث الرعب يوم سقوط الموصل (رويترز)

أحمد الدباغ-الموصل

لم يكن يوما عاديا في الموصل، فمع صبيحة الثلاثاء 10 يونيو/حزيران 2014 تغير حال الموصل (مركز محافظة نينوى شمالي العراق) إلى غير رجعة.

خمسة أيام من القتال والكر والفر بين مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية والقوات العراقية كانت كفيلة بسيطرة التنظيم على ثانية كبريات المدن العراقية، ليفتح الباب على مصراعيه لاتهامات متبادلة بين مختلف الأطراف الرسمية في البلاد واتهام الجميع لبعضهم بالتسبب بسقوط المدينة.

يوم مرعب
يوم الخامس من يونيو/حزيران 2014 باغت عشرات المسلحين من تنظيم الدولة القوات العراقية وسيطروا على أحياء عدة في غربي المدينة وتحديدا منطقة الهرمات ومشيرفة و17 تموز.

واستفاق الموصليون فجر العاشر من نفس الشهر ولم يكن أي جندي أو شرطي في المدينة، الجميع تركوا مواقعهم وفروا باتجاه إقليم كردستان تاركين المدينة للمسلحين الذين سيطروا على الجانب الأيسر من المدينة.

خالد وليد -وهو أحد مواطني الموصل- يقول للجزيرة نت "لم نكن نتوقع أن تؤدي مناوشات مقاتلي التنظيم مع القوات العراقية إلى سقوط المدينة بهذه السرعة".

ويضيف وليد أنه وغيره من سكان منطقة حي الشفاء اعتقدوا أن ما حدث من سيطرة تنظيم الدولة على بعض أحياء الموصل الشرقية ما هو إلا جولة من المناوشات التي ستنتهي حتما بدحر مقاتلي التنظيم كما اعتاد عليه الموصليون بين فترة وأخرى.

غير أن ما حدث لم يخطر على بال أحد، إذ أدرك وليد أن ليلة التاسع من يونيو/حزيران 2014 مغايرة، مؤكدا أنه ومع سقوط مقر قيادة عمليات نينوى القريبة من مطار الموصل بيد التنظيم تبين للجميع أن الأوضاع متجهة للأسوأ.
جانب من الدمار الذي حل بالموصل بعد عمليات تخليصها من تنظيم الدولة (التواصل الاجتماعي)

أحمد العبيدي -وهو أحد سكان حي الزهور في الجانب الغربي من الموصل- يقول إنه وسائر الموصليين لم يعرفوا النوم تلك الليلة، إذ ومع سماعهم الإطلاقات النارية والتفجيرات ظن العبيدي وغيره أن المعارك لا تزال بعيدة.

ومع انسحاب الجيش من الجانب الأيسر وكسر حظر التجوال الذي كان قد فرضه الجيش منذ بدء المعركة، خرجت مئات العائلات ليلا متجهة نحو مدخل المدينة الشمالي والشرقي هربا.

ومع بزوغ فجر ذلك اليوم فوجئ العبيدي بمقاتلي تنظيم الدولة وهم يجوبون شوارع الجانب الأيسر ليعلنوا عن سيطرتهم على كامل مدينة الموصل بجانبيها الأيمن والأيسر.

تتصاعد أعمدة الدخان من مراكز الشرطة ومرابطات الجيش العراقي، ويصف الموصليون ذلك اليوم بأنه كان شبيها بفيلم هوليودي عرفت بدايته دون تفاصيله.

وانتشرت جثث الجنود على جسور الموصل الخمسة، وأخذت النيران تلتهم عربات الجيش والشرطة، وامتلأت الطرق بخوذ الجنود وأحذيتهم، فضلا عن السترات الواقية والبزات العسكرية التي تركوها مع الأسلحة، ليواجه الموصليون مصيرهم المحتوم.

ويعتقد الموصلي جمال الصباغ -الذي نزح عن المدينة يوم سقوطها- أن ذلك اليوم لن ينسى، وسيتناقل الموصليون ذكراه جيلا بعد جيل.

وأشار الصباغ إلى أنه وعلى الرغم من أن الموصليين كانوا يشكون من تضيق الجيش عليهم فإنهم لم يتمنوا رؤية هذا اليوم، إذ لم يكن يدر بخلدهم أن هذا الجيش سيترك المدينة لعشرات المسلحين.

النجيفي اعتبر أن سقوط الموصل كان أمرا مدبرا لتدمير المناطق الرافضة للمشروع الإيراني (الجزيرة)

انهيار عسكري
"انهيار عسكري" بهذه العبارة يصف محافظ نينوى السابق أثيل النجيفي ما جرى في المدينة ليلة سقوطها بيد تنظيم الدولة.

وأكد النجيفي للجزيرة نت أن القيادة العسكرية العليا في الموصل غادرت مقراتها وانقطع اتصالها مع الوحدات المنتشرة في قواطع المدينة والتي تضم الضباط الميدانيين والجنود، ونتيجة لذلك فإن تلك الوحدات فرت من المدينة بعد أن باتت وحدها دون تلقي أي أوامر بالقتال أو الانسحاب.

ويعتقد النجيفي أن سقوط الموصل لم يكن نتيجة خلافه كمحافظ مع رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي، وإنما كان الأمر مدبرا لتدمير المناطق العراقية التي كانت رافضة للمشروع الإيراني.

وأضاف أن الخطة التي وضعتها بغداد كانت تقتضي بالانسحاب من الجانب الأيمن إلى الأيسر، ثم محاصرة الأيمن ودكه بالمدفعية والطائرات، غير أن انهيار القيادة أدى إلى سقوط مدن عدة وليس الموصل فقط، بحسب النجيفي.

ويعتقد النجيفي في ختام حديثه أن بغداد لم تعِ الدرس، إذ إن المشروع الإيراني لم يصل إلى استقرار حتى الآن، وإنه سيؤدي إلى دوامة فوضى جديدة وقريبة.

الموصل سقطت بيد تنظيم الدولة عندما كان المالكي رئيسا لوزراء العراق (الأوروبية)

الصراع
غير أن النائب عن محافظة نينوى (عضو تحالف البناء) حنين القدو يرى أن الصراع السياسي بين النجيفي ونوري المالكي كان سببا رئيسا في سقوط المدينة.

ولفت إلى أن عوامل أخرى ساعدت على سقوط الموصل كالمظاهرات الشعبية التي دعمها النجيفي، والفساد الذي كان مستشريا في صفوف القوات الأمنية، وعدم مبالاة القوات الكردية القريبة بوضع الموصل.

وأكد القدو للجزيرة نت أن تلك الأسباب أدت إلى نتائج كارثية في الموصل ومدن أخرى، إذ إن القيادة في بغداد لم تفهم وضع الموصل، محملا المالكي المسؤولية غير المباشرة على اعتبار أنه اعتمد تقارير مضللة.

قوات عراقية متجهة من بغداد إلى الموصل عام 2016 (رويترز)
أخطاء مستمرة
وعلى الرغم من كم التضحيات فإن الخبير والمحلل الإستراتيجي هشام الهاشمي يرى أن أزمة الموصل لم تكن مصححة للأخطاء التي ارتكبت والتي أدت إلى سقوط المدينة.

ويضيف الهاشمي للجزيرة نت أنه والعديد من المراقبين يرون أن الأسباب التي أدت إلى صعود تنظيم الدولة ما زالت قائمة، لذا فإن نكسة الموصل وما حصل بعدها من تحرير لم تكن تصحيحا، إذ تحققت هزيمة التنظيم دون النصر عليه.

وعن الهجمات التي يشنها تنظيم الدولة على مشارف القرى والمدن المحررة، يؤكد الهاشمي أنه كلما تصاعدت المظالم أدت إلى تمكين الجماعات الراديكالية في أي مجتمع.

ويختتم الهاشمي حديثه بالإشارة إلى أن تنظيم الدولة حاله كحال أي تنظيم راديكالي يمر بأطوار ثلاثة، هي تكوين الهيكل التنظيمي (التأسيس) ثم التمهيد المؤدي إلى أرض التمكين.

واعتبر أن تنظيم الدولة الآن يعيش في المرحلة الثانية، وهي التمهيد بعد أن تمكن من تأسيس هيكليته مجددا، لافتا إلى أن أخطر مرحلة للتنظيم هي التي يمر بها حاليا، والتي تشمل شن عمليات نوعية.

وحاولت الجزيرة نت التواصل مع شخصيات عسكرية عدة، منها قائد قوات سوات نينوى العقيد ريان الحيالي، إضافة إلى المتحدث باسم شرطة المحافظة العقيد مازن الطائي إلا أن كليهما اعتذرا عن الإدلاء بأي معلومات.

المصدر : الجزيرة