بعد عام على استشهادها.. قضية رزان النجار أصبحت عالمية

علا موسى-غزة
في كل جمعة ومع موعد مسيرات العودة وكسر الحصار في خمس محافظات بقطاع غزة على الحدود الشرقية تتجهز صابرين النجار (45 عاما) مع معدات الإسعافات الأولية لتلتحق بالنقاط الطبية والإسعافات شرق مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، لتكمل مسيرة ابنتها رزان (21 عاما) التي استشهدت وهي تسعف المدنيين المتظاهرين في مسيرات العودة الكبرى.

هكذا تمضي والدة الشهيدة المسعفة رزان النجار التي قضت برصاص قناص إسرائيلي في الأول من يونيو/حزيران العام الماضي، ففي أول جمعة بعد استشهاد رزان بدأت صابرين تشارك الطواقم الطبية في إسعاف المصابين. 

وبعد عام على استشهاد رزان أطلق أهالي حي النجاجرة الذي تقيم فيه عائلة رزان اسم "حي رزان" على حيهم، إذ يعتبرونها رمزا بطوليا يفتخرون به، وتجلس والدة رزان فيه تستقبل أعضاء الوفود الوطنية والأحزاب والطواقم الطبية كل فترة لتطلعهم على مستجدات قضية رزان، فهي تقاتل لإقرار حق ابنتها وإدانة مرتكب الجريمة.

تقول صابرين "لا يمكن التعبير عن فقداني لرزان، كانت الهواء الذي أتنفسه، كانت الفرحة الأولى بالنسبة لي، كانت رزان تخبرني عن الانتهاكات بحق المتظاهرين وعن أنواع الجروح وكيف تنقذ المدنيين، وما هي المخاطر التي تلاحقها، وكيف يطلق الاحتلال قنابل الغاز باتجاهها، وقد أصيبت عدة مرات بالاختناق لكنها واصلت عملها".
والدة رزان أصبحت مسعفة لإكمال رسالة ابنتها الشهيدة (الجزيرة)
وتؤكد صابرين أنها أصبحت أكثر قوة، وصارت ناشطة نسوية في قضايا المرأة الفلسطينية، وصارت تمثل قضية رزان التي تعتبرها قضية فلسطين وليست قضية ابنتها فقط، فمن خلالها استطاعت أن تحكي للعالم عن الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، وعن رزان كنموذج للعمل الإنساني التطوعي الذي راحت ضحيته.

وقامت والدة رزان وزوجها أشرف النجار (46 عاما) بجولة في 28 دولة أوروبية ضمن الاتحاد الأوروبي مع الحركة العالمية لمقاطعة إسرائيل (بي دي أس) منذ سبتمبر/أيلول وحتى ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، لتعرف العالم على قضية رزان، وكيف انتهكت دولة الاحتلال القوانين والمواثيق الدولية الإنسانية في ارتكابها جريمة بحق رزان وأبناء الشعب الفلسطيني.

وعرض الوالدان في أغلبية المدن الأوروبية قضية رزان عبر الصور والفيديو وما وثقه الإعلام الدولي والمحلي عن عمل ابنتهما الإنساني النبيل وهي تتحدث عن الانتهاكات الإسرائيلية.

واستهدف الوالدان الجامعات الأوروبية وبعض الجمعيات والنوادي الاجتماعية وقاعات البرلمانات وبعض المسارح.

وجدت والدة رزان أن الكثير من الأوروبيين لا يعرفون شيئا عن الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين أو رزان، وتقول "قابلت أعراقا وجنسيات أوروبية مختلفة، جميعهم تعاطفوا مع قضية رزان، وتفاعل بعضهم معها بالبكاء وآخرون بالرسائل، ومنهم من طلب صورة لها، شعرت بالحزن وبالفخر في نفس الوقت".
الطواقم الطبية تعزي والدة رزان باستشهادها (الجزيرة)
وتعاطفت طوائف يهودية عدة مع صابرين خلال لقاءاتها في دول أوروبية، خصوصا في المدن الألمانية، واعتذر أعضاء تلك الطوائف لصابرين وطلبوا منها أن تفرق بينهم كيهود وما تقوم به دولة إسرائيل باسم اليهود، ومنهم حاخامات.

وتذكر صابرين أن رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي جيرارد لارشيه تعاطف معها، وتقول "لقد بكى وهو يسمع كلامي، وقال لي إنني صادقة، وإنه للمرة الأولى يبكي أمام امرأة تشكو قضية شعبها، وثبت له أن إسرائيل تلتف على القانون الدولي الإنساني، كانت رزان تعود للمنزل بعد الانتهاكات الإسرائيلية وعلى سترتها البيضاء دماء، وكانت نهايتها أن تقتل".

وجلس الوالدان مع لجنة تقصي الحقائق في محكمة العدل الدولية في لاهاي أكثر من ست ساعات متواصلة في نهاية نوفمبر/تشرين الثاني العام الماضي، ولاحظا تأثر اللجنة بكلامهما، لكنهما لا يزالان يتابعان ملف التحقيق مع إسرائيل ومقاضاتها.
وبسبب نشاطها اللافت في الدفاع عن قضية ابنتها، حذف موقع فيسبوك حساب صابرين الرسمي قرابة عشرين مرة، لأنها تنشر محتوى عن قضية ابنتها ومسيراتها المتواصلة حتى تنزع حقها من الاحتلال الإسرائيلي.
لوحة شخصية لرزان تحتفظ بها والدتها (الجزيرة)
لدى رزان شقيقتان كانتا تعتبرانها القدوة، هما ريعان (19 عاما) وراما (10 أعوام)، وبالنسبة لهما كانت رزان مصدر القوة والبهجة، ومع مرور عام على استشهادها لا تزالان تذكران التفاصيل الجميلة والمليئة بالتحدي معها.

كانت ريعان تحب مرافقة رزان أينما توجهت، وكانت تود دراسة الحقوق بعد أن تنهي الثانوية العامة قبل استشهاد أختها، لكن رزان كانت تقول لها إنها ستدرس التمريض وستصبح ممرضة، وعند استشهادها في الأول من يونيو/حزيران كانت ريعان تستعد لاختبار مادة الجغرافيا.

تقول ريعان "عندما تلقيت خبر استشهادها غبت عن الوعي طويلا، لكن في نفس الليلة بدأت أتذكر كلماتها، وفي اليوم التالي ذهبت لاختبار الجغرافيا رغم دموعي، وعدت قبل تشييع جثمانها، فقدت الأمل والحب فيها، لكن بفضل الله نجحت في الثانوية العامة، والآن أدرس التمريض العام في جامعة الأزهر، لأكمل رسالة رزان الإنسانية".
الشهيدة رزان أثناء عملها في الإسعاف خلال مسيرات العودة (مواقع التواصل الاجتماعي)
وتستذكر ريعان الأيام الأولى لزران وهي متطوعة مسعفة عندما سألتها ماذا ستفعل في حال وجدت جنديا إسرائيليا مصابا ويحتاج إلى إسعاف، فردت رزان إنها ستسعفه، لأنها عندما تلقت دورات في الإسعاف الأولي والتمريض أيقنت أن شرف المهنة إنساني، ويتطلب منها أن تنقذ الإنسان دون النظر إلى دينه أو معتقده أو عرقه.

وتشعر ريعان بالفخر عندما تتحدث زميلاتها عن رزان أمامها، وهي تحظى بحب كبير في كليتها، لكنها في نفس الوقت تشعر بحزن كبير على والدتها التي لا تزال تكافح للحصول على حق رزان أمام المجتمع الدولي.

أما راما شقيقة رزان الصغرى فهي إلى اليوم تسأل والديها عن سبب قتل الإسرائيليين لرزان، وتقول "لا أريد أن يقترب الجنود الإسرائيليون من أمي، ولا أريد أن أشاهد الرداء الأبيض التي ترتديه أمي فيه دماء كرداء رزان، لكنني عندما أكبر أريد أن أصبح مثل رزان، لكن دون أن يقتلني أحد".
المصدر : الجزيرة