مستعمرة كولومبيا.. هل تُشعل مواجهة بين المعتصمين والعسكر بالسودان؟

منطقة "كولومبيا" السودانية يفصلها عن ميدان  الاعتصام شارع واحد (رويترز)
منطقة "كولومبيا" السودانية يفصلها عن ميدان الاعتصام شارع واحد (رويترز)

الجزيرة نت-الخرطوم

على مرمى حجر من القصر الجمهوري عند أسفل كوبري النيل الأزرق بالخرطوم، بين دغل شجيرات شاطئ النيل وميدان الاعتصام، تقبع مساحة صغيرة من الأرض خارج دائرة القانون، يطلق عليها السودانيون اسم "كولومبيا" نظرا لاحتشادها بلفيف من المتفلتين ومروجي الممنوعات (المخدرات والخمور).

وتقع تلك المستعمرة شرقي الجسر الفاصل بين كليات جامعة الخرطوم وداخليات البركس، ويفصلها عن محيط الاعتصام شارع النيل، وهو النافذة الوحيدة نحو الخرطوم من جهة الشرق بعد اعتصام الثوار حول قيادة الجيش.

بين أشجار متناثرة فوق سهل طيني وتحت ظلمة شاحبة بين أعمدة الجسر الذي شيده الإنجليز في بدايات القرن العشرين، يحتمي رجال ونساء معظمهم في سن الشباب، يعرضون بضاعتهم الممنوعة لمرتادي المكان، بوجوهٍ يائسة ونظرات قاسية توحي باستعدادهم للخطر.

بضاعتهم عبارة عن خمور محلية وحشيش (بانغو) وحبوب مخدرات صناعية، يعرضها أطفال، يقف وراءهم بالطبع مروّج كبير.

تختلط في المكان روائح الطين والعشب وفضلات الآدميين، وتلك الرائحة التي قوامها الدخان وبعض ما يخالج أهواء من ألفوا ملذات قاع المدينة.

اتهامات متبادلة
وفي خضم صراع المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير حول ترتيبات الفترة الانتقالية، يتبادل الطرفان الاتهامات حول العنف والمخالفات التي تقع في "كولومبيا" المحاذية لساحة الاعتصام من الجهة الجنوبية.

وقد أعلن المجلس العسكري أن محيط الاعتصام يعج بالظواهر السلبية وبمخالفي النظام والقانون، بينما يؤكد ناشطو قوى الثورة، أنهم يرصدون تحريض أعداء الثورة لمخربين يسخّرونهم لتعطيل حركة المرور بشارع النيل، وللقيام بأعمال تخريب ونسبها للثوار، تمهيدا لفض اعتصامهم المضروب أمام قيادة الجيش منذ السادس من أبريل/ نيسان الماضي.

ومن وجهة نظر المدوِّن أحمد سر الختم، فإن قاطني مستعمرة "كولومبيا" ليسوا متفلتين بل هم مظلومو نهاية الخدمة العسكرية، ممن فقدوا أطرافهم في الحرب، أو تم التضييق عليهم في معاشهم فلجؤوا للأسواق فأجلتهم السلطات من هناك بحجة حماية المظهر العام.

ويقول سر الختم إن هؤلاء لجؤوا في نهاية الأمر للحياة تحت الكوبري باعتباره ملاذا أخيرا، وبعد نجاح الثورة أصبحت "كولومبيا" مدخلا للخرطوم، وبدت الظاهرة واضحة للملأ وتم الربط بينها وبين الثوار المعتصمين.

ويضيف الختم، أن "كولومبيا" مكان معروف للحكومة بصفته سوقا للممنوعات، لكنها كانت تغض الطرف عنه، وبعد نجاح الثورة، تتعمد قوى الثورة المضادة إلصاق ظواهر الانفلات في المكان بالثوار.

ويتوقع المتحدث ذاته أن يدوي صوت الرصاص في "كولومبيا" في أية لحظة، فغير بعيد من المكان تصطف سيارات للجيش والدعم السريع مدججة بالسلاح، عليها جنود على أهبة الاستعداد.

المعتصمون يبدون إصرارا على احتجاجاتهم التي بات يعتبرها قادة عسكريون سودانيون خطرا على الأمن القومي (الأوروبية)

اعتداءات واستفزاز
ووقعت في المكان (كولومبيا) اعتداءات كثيرة، كان آخرها تهشيم زجاج سيارة للشرطة بداخلها صحفيات، وفي المكان ذاته قتلت قبل أيام امرأة حامل أيام برصاص جندي مخمور.

ويعترض منفلتون حركة المرور ويقومون باستفزاز قوات الجيش والدعم السريع. وينظر ناشطو قوى التغيير لتلك التصرفات على أنها محاولات من أعداء الثورة لمزيد من تأزيم العلاقة المأزومة أصلا بين الجيش والثوار.

ويلاحظ سر الختم أن من يلبسون الزي المدني في "كولومبيا" ليسوا جميعا مدنيين بطبيعة الحال، فالنظام السابق كما هو معلوم، جيّش آلاف الطلاب في معسكرات الخدمة العسكرية الإلزامية، ومن ثَم فإن استعمال السلاح ليس بالضرورة مقتصرا على أفراد القوات النظامية.

يأتي ذلك بينما يتساءل ناشطون عن غياب الشرطة وعدم تدخلها لحسم حالة الانفلات الأمني والظواهر السلبية التي تقع في محيط الاعتصام. 

صراع سياسي
ويقول الخبير القانوني عادل عبد الغني، إن مستعمرة "كولومبيا" كانت موجودة قبل الثورة، لكنها تغلفت بالصراع السياسي، بحكم قربها من ميدان الاعتصام.

ومن خلال متابعته للأحداث بوصفه ناشطا حقوقيا، ينقل عبد الغني أن قوى التغيير تعمل الآن بالتنسيق مع الشرطة بهدف تأمين وحراسة المتاريس، حتى لا تتخذ انفلاتات "كولومبيا" ذريعة لفض الاعتصام.

ويفسر غياب الشرطة عن مكافحة الجريمة في المكان بأنه ناجم عن تركيز الشرطة خلال الأيام الأخيرة للرئيس السابق عمر البشير، على قمع المظاهرات وإهمال الأنشطة الأخرى، مثل تنظيم حركة المرور والمتابعة الميدانية للجريمة، وغير ذلك.

ومن جهة نظر اختصاصية علم النفس سلمى شريف، فإن هذا المكان يرتاده كثيرون بينهم نظاميون، وعليه فلا يمكن وصف مرتادي المكان بالمتفلتين.

وبالنظر إلى تجربة شباب الميدان في تأهيل أولاد الشوارع، تقول الاختصاصية، إن تجارب تأهيل أولاد الشوارع أكدت استجابتهم لبرامج الإصلاح وأنهم ينخرطون بفعالية في جو الاعتصام، ويمارسون حياتهم مواطنين صالحين متى ما أحسوا بالانتماء والأمان داخل المجتمع.

ومع احتقان الوضع السياسي في السودان تظل مستعمرة "كولومبيا" أكثر النقاط المرشحة للاشتعال كلما تصاعد خلاف قوى إعلان الحرية والتغيير مع المجلس العسكري الانتقالي حول تفاصيل المرحلة الانتقالية.

المصدر : الجزيرة