اعتصام القيادة بالخرطوم.. سفراء أجانب في ضيافة الثوار

القائم بالأعمال الأميركي يتناول الإفطار في ميدان الاعتصام بالخرطوم (السفارة الأميركية)
القائم بالأعمال الأميركي يتناول الإفطار في ميدان الاعتصام بالخرطوم (السفارة الأميركية)

مزدلفة محمد عثمان-الخرطوم

لا يكاد يمر يوم على المعتصمين في محيط قيادة الجيش السوداني إلا ويحظون بزيارة وفد دبلوماسي على مستوى رفيع لإحدى السفارات الأجنبية المعتمدة بالخرطوم.

وتظهر مقاطع فيديو بثت في وسائل التواصل الاجتماعي الاحتفاء الكبير الذي يحاط به السفراء، ومقدار الارتياح الذي يرتسم على ملامح الوجوه وهم يشاركون المحتشدين ترديد الهتاف والغناء والرقص، في مشهد يندر وجوده في أي بلد، خاصة إذا كان هذا البلد موضوعا على لائحة الدول الراعية للإرهاب، أو يواجه توترا أمنيا بالغا في عدة مناطق مثل السودان.

متاريس وتفتيش على مداخل الميدان أمام قيادة الجيش السوداني لحماية الاعتصام (الجزيرة)

غير أن حالة التلاحم بين السفراء الغربيين وعامة السودانيين كانت تتبدى في مشاهد وأيام سبقت الاعتصام بكثير؛ فالسفارة الأميركية دأبت منذ أعوام خلت على اغتنام شهر رمضان ليكون مناسبة يشارك فيها دبلوماسيوها الأهالي في ضاحية سوبا (شرقي الخرطوم) -حيث مقر السفارة- على موائد الإفطار، بعد أن يوزعوا عليهم مؤنا غذائية.

وكثيرا ما عرضت صور لدبلوماسيين أميركيين وهم يشاركون السودانيين إفطارهم في شارع النيل أو في الطريق العام، وشوهد بعضهم يسهمون في إقناع بعض المسافرين بالتوقف لتناول الإفطار، بعد أن أدركهم الأذان وهم على الطريق.

كما تنشط سفارة ألمانيا في تثبيت دعائم الدبلوماسية الشعبية ببرامج ذات صلة بالطبخ والرياضة والثقافة، حيث تلقى رواجا واسعا، وليست بعيدة عن هذا أنشطة السفارة الفرنسية التي تملك مركزا ثقافيا ذائع الصيت لا يقل عنه شهرة نظيراه البريطاني والألماني.

إذن، فالوجود الدبلوماسي الأجنبي في الخرطوم يتمدد عبر مداخل شعبية واسعة بالتوازي مع الأنشطة الدبلوماسية الاعتيادية، وهذا عينه ما يثير أزمات مكتومة في كثير من الأحيان حين ترى أجهزة الحكومة في هذا التمدد تطاولا وتجاوزا للأعراف الدبلوماسية.

صور التفتيش 
وقبل يوم من الإطاحة بالرئيس عمر البشير، أي في العاشر من أبريل/نيسان الماضي، وصل القائم بالأعمال الأميركي لدى الخرطوم ستيفن كوتسيس ساحة الاعتصام كأول دبلوماسي أجنبي رفيع يصل المكان، متحديا المخاطر الأمنية التي كانت تحيط بالموقع وحالة الشحن والترقب الشديدة التي كانت تميز الأجواء، مع المحاولات والأنباء المتواترة عن اتجاه القوى الأمنية لفض الاعتصام.

القائم بالأعمال الأميركي يخضع للتفتيش في أحد الحواجز على يد الثوار قبل دخول الميدان للمرة الثالثة (السفارة الأميركية) 

وفي أحد الحواجز، استوقفت السفير مجموعة من الثوار وأخضعته ومرافقيه لتفتيش دقيق، قبل السماح له بالدخول، وعلى الفور تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي الصورة.

وكتب مجاهد محمد على فيسبوك "تفتيش السفير الأميركي من قبل لجان التفتيش الثورية قبل دخوله ساحة الاعتصام؛ القانون يسري على الجميع.. دولة العزة والكرامة تبدأ من شارع القيادة". 

ومع ذلك كرر كوتسيس زيارته للميدان مرة ثانية وخضع للتفتيش ذاته من جديد، ثم كانت الثالثة في الثالث من رمضان، حاملا معه كميات من المياه للإفطار مع المعتصمين. 

ولم يكن تفتيش الدبلوماسي الأميركي متفردا؛ فالسفيرة الهولندية أيضا نالت نصيبها على حاجز نسائي قبل أن تنضم للمعتصمين وتقف على الأوضاع في الميدان. 

كما أخضع الثوار دبلوماسيين من سفارة ألمانيا للتفتيش، وسط دهشتهم العارمة، وأظهرت مقاطع فيديو الألمان وهم يشاركون المعتصمين الغناء والرقص رافعين شعارات النصر.

تأمين المسؤولين الأجانب
وبحسب معلومات حصلت عليها الجزيرة نت، فإن عمليات تأمين المسؤولين الأجانب تأخذ طابعا خاصا في هذه الأحوال، باعتبار أن هذه التحركات تتم خارج علم الدولة المتوجب عليها توفير الحماية والتأمين للسفراء والدبلوماسيين على أراضيها وفقا للأعراف السائدة.

القائم بالأعمال الأميركي مع الثوار ولجان الميدان (مواقع التواصل)

وفي العادة، تتولى السفارة عبر طاقمها الأمني معاينة المكان المعتزم زيارته قبل وقت مبكر، وتقرير إمكانية التنفيذ أو لا، ومن ثم يتم تحديد طاقم الحراسة المرافق للمسؤول.

ويقول دبلوماسي في وزارة الخارجية السودانية للجزيرة نت إن أوضاع التوتر الأمني تستوجب على الدبلوماسيين إخطار وزارة الخارجية بذهابهم إلى المواقع ذات الخطورة، وأخذ موافقتها، وهي التي يتعين عليها تأمينهم.

ويضيف "لأن الجهات الأمنية نفسها غير قادرة أو غير راغبة في توفير الحماية هناك يكون الأصل أن يمتنع السفراء عن الذهاب. ومن حيث العرف الدبلوماسي تعد زيارة الميدان عملا غير لائق؛ فهو بأي حال منطقة خارج سيطرة الدولة". 

لكن الواضح أن السفراء وجدوا الحماية الكافية وسط الثوار، وما عادت تشغلهم هواجس التأمين في مساحة مفتوحة يرتادها عشرات الآلاف بمختلف المشارب والمآرب، فالشعور بالاطمئنان صفة لازمت كل من زار المكان وغادره مملوءا بالدهشة.

المصدر : الجزيرة