مناديل إسرائيلية في تونس.. هل هي الشجرة التي تخفي الغابة؟

وكالة أسفار تونسية روجت عبر فيسبوك لرحلات باتجاه القدس المحتلة (مواقع تواصل)
وكالة أسفار تونسية روجت عبر فيسبوك لرحلات باتجاه القدس المحتلة (مواقع تواصل)

خميس بن بريك-تونس

تجدد الجدل بشأن التطبيع التجاري مع الكيان الصهيوني إلى واجهة الأحداث في تونس، بعد تنديد كبرى النقابات العمالية في البلاد بترويج سلع قالت إنها مستوردة من إسرائيل، مطالبة بسحبها من السوق ومحاسبة المسؤولين عن توريدها وتوزيعها، في حين لاذت السلطات بالصمت.

ودعا الاتحاد العام التونسي للشغل، وهو أحد أبرز الداعمين للقضية الفلسطينية في تونس، أمس، إلى سحب مناديل مستوردة من الكيان الصهيوني يتم ترويجها بأحد الفضاءات التجارية الكبرى بالعاصمة، مطالبا التونسيين بمقاطعة شراء هذه البضائع والتشهير بمروجيها التجاريين.

ولم يكتفِ الاتحاد بهذا الطلب، فقد دعا أيضا وزارتي السياحة والخارجية إلى التحقيق في تعمد إحدى وكالات الأسفار التونسية تنظيم رحلات سياحية إلى فلسطين المحتلة عبر المرور بالإجراءات الرسمية الأمنية والإدارية للكيان الصهيوني، بما يشكل تطبيعا سياحيا مع إسرائيل.

وانتشرت أمس على مواقع التواصل صور مناديل تنظيف كتب عليها "صنع في إسرائيل" يتم ترويجها بفضاء تجاري شهير يحمل اسم علامة تجارية فرنسية، بينما استهجن رواد مواقع التواصل غياب الرقابة الاقتصادية للسلطات التونسية على المساحات التجارية الكبرى.

سابقة خطيرة
ويقول الأمين العام المساعد لاتحاد الشغل محمد علي البوغديري إن ترويج بضائع مستوردة من إسرائيل في السوق التونسية أمام مرأى ومسمع السلطات التونسية يعتبر سابقة خطيرة بمجال التطبيع لا يمكن السكون عليها مطلقا.

وفي حديثه للجزيرة نت، طالب السلطات بضرورة التحرك للكشف عن الأطراف التي تقف وراء مسالك استيراد وتوزيع هذه المنتجات الإسرائيلية، معربا عن استغرابه في الوقت ذاته من كيفية عبور هذه السلع أمام أعين الجمارك، رغم أنه لم ينفِ إمكانية مرورها عبر مسالك السوق الموازية.

ولا يوجد في تونس قانون خاص يجرم أو يعاقب تطبيع العلاقات السياسية أو الاقتصادية مع الكيان الصهيوني الذي يخفي علاقاته التجارية مع تونس. وقد كان اتحاد الشغل تقدم بمشروع قانون لتجريم التطبيع مع إسرائيل إبان كتابة الدستور في 2014، لكن البرلمان رفض تجريم التطبيع.

وليست هذه المرة الأولى التي يشهّر بها اتحاد الشغل بوجود علاقات تجارية مباشرة مع الكيان الصهيوني، فقد سبق له أن تدخل بكل ثقله لمنع سفينة "كورنوليس" التركية التي تعمل لحساب شركة "زيم" للملاحة الإسرائيلية من دخول ميناء رادس التجاري بالعاصمة.

وتعود الواقعة إلى أغسطس/آب 2018 حيث طالب الاتحاد من جميع نقاباته بالموانئ التونسية برفض تفريغ وشحن وتمكين طواقم السفينة من القيام بأي معاملات مع الموانئ، ما أجبر سفينة "كورنوليس" إلى تغيير مسارها، بينما ظل ديوان البحرية التجارية التونسي مرتبكا.

تبادل تجاري
وبشأن هذه الحادثة، يقول عدنان بن يوسف عضو الحملة التونسية من أجل المقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل، إن السلطات التونسية لم تتعامل آنذاك بجدية للتحقيق في قدوم شحنة بضائع تجارية من إسرائيل على متن باخرة تركية وحاولت إغلاق الموضوع.

وفي حديثه للجزيرة نت، يرى بن يوسف أن فضح الاتحاد لترويج مناديل مصنوعة في إسرائيل داخل السوق التونسية، ليس سوى شجرة تخفي غابة من المعاملات التجارية بين تونس وإسرائيل.

واعتبر أن "الأخطر هو أن هناك تبادلا تجاريا موجودا بين الموانئ الإسرائيلية والتونسية تحت غطاء بواخر أخرى ويتم في إطار قانون التجارة الدولية".

وذكر أن منظمته كشفت قبل بضعة أشهر عن تسيير رحلات بحرية تجارية بين إسرائيل وتونس اعتمادا على مواقع إلكترونية ترصد الحركات البحرية التجارية، مفيدا بأن لديه معلومات بأن الواردات التونسية من إسرائيل ترتكز على توريد الأسمدة الكيميائية والزراعية.

وإضافة إلى ذلك، يقول عدنان بن يوسف إن منظمته كشفت أيضا، مؤخرا، عن وجود معاملات بين وكالة أسفار تونسية مع إسرائيل. ويضيف أن هناك وكالة أسفار تونسية تسير رحلات للقدس المحتلة عبر المرور بالإجراءات الرسمية الأمنية والإدارية لإسرائيل.

وبالنفاذ إلى صفحة وكالة الأسفار التونسية "تونيزيا باي ترافل" على موقع فيسبوك، تظهر إعلانات تروج لرحلات باتجاه القدس المحتلة، فيما تظهر الصور المنشورة بتلك الصفحة سواحا تونسيين ملتقطين صورا تذكارية أمام المسجد الأقصى بالقدس المحتلة.

ويؤكد عضو الحملة التونسية من أجل المقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل للجزيرة نت أن السلطات التونسية لم تحرك ساكنا أمام ما تقوم به وكالة الأسفار المذكورة من تقديم طلب التأشيرة للمسافرين التونسيين إلى السلطات الإسرائيلية ومن تجولهم في مدن إسرائيلية.

تطبيع سياسي
من جهته، يؤكد رئيس الهيئة الوطنية لدعم المقاومة العربية ومناهضة التطبيع والصهيونية أحمد الكحلاوي أن التطبيع مع إسرائيل دخل عبر أكثر من بوابة في تونس، انطلاقا من المبادلات التجارية مرورا بالتطبيع الثقافي لبعض الفنانين التونسيين الذين يقيمون حفلات بإسرائيل، وصولا للتطبيع السياسي.

وبحديثه للجزيرة نت، يقر الكحلاوي بوجود تبادل تجاري بين تونس وإسرائيل من خلال عمليات التوريد والتصدير وترويج سلع ذات منشأ إسرائيلي خاصة بالفضاءات التجارية الكبرى التي تحمل اسم علامات تجارية فرنسية في ظل غياب قانون يجرم التطبيع وعدم احترام قرارات الجامعة العربية.

واعتبر أن تعيين رجل الأعمال التونسي اليهودي رونيه الطرابلسي وزيرا للسياحة، بحكومة يوسف الشاهد في نوفمبر/تشرين الثاني، يعد ضربا من ضروب التطبيع مع إسرائيل، قائلا "مع أنه يحمل أكثر من جنسية، فإن له علاقات مشبوهة مع الكيان الصهيوني".

ويواجه الطرابلسي انتقادات بشأن انخراط وكالة أسفار يمتلكها في فرنسا بتسيير رحلات ونقل سياح من الكيان الصهيوني إلى تونس، خاصة بموسم حج اليهود لكنيس الغريبة بجزيرة جربة، حيث يتوقع أن يصل عددهم نحو سبعة آلاف زائر بين 22 و23 مايو/أيار الجاري.

يذكر أن تونس كانت ضحية لعديد الجرائم التي نفذتها إسرائيل، مثل اغتيال مهندس الطيران التونسي محمد الزواري بصفاقس في 15 ديسمبر/كانون الأول 2016، وقصف مدية حمام الشط بالعاصمة عام 1985، واغتيال القياديين الفلسطينيين بتونس، أبو جهاد وأبو إياد سنتي 1988 و1991.

المصدر : الجزيرة