محاولات فض اعتصام السودان.. البحث عن طرف ثالث


مزدلفة محمد عثمان-الخرطوم

كرر المجلس العسكري الانتقالي في السودان مساء أمس الثلاثاء تأكيداته بأنه لا يعتزم استخدام القوة لفض اعتصام الآلاف في محيط قيادة الجيش انتظارا لتسليم السلطة إلى حكومة مدنية بعد الإطاحة بالرئيس عمر البشير.

ومع ذلك يؤكد الثوار ومن خلفهم تجمع المهنيين الذي ظل ينسق لموجة احتجاجات طويلة منذ ديسمبر/كانون الأول الماضي وجود محاولات شبه مستمرة لفض المعتصمين عبر وسائل مختلفة، منها إغراق المكان بمياه الصرف الصحي بينما تقوم قوات بزي عسكري بضرب المعتصمين والتنكيل بهم.

آخر تلك الاعتداءات طالت لاعب المنتخب القومي هيثم مصطفى فجر اليوم الأربعاء حيث كتب على صفحته على فيسبوك عن إصابته برضوخ جراء هجوم نفذته قوات ترتدي زيا نظاميا.

وأثار تصريح المتحدث باسم المجلس العسكري شمس الدين كباشي مساء الثلاثاء عن "قوة ثالثة" هي من تقوم بالضرب وإزالة المتاريس، تساؤلات عديدة عن هوية هذه الجهة التي قال المسؤول العسكري إنها بحاجة إلى بحث.

تورط الدعم السريع
وحسب تدوينات معتصمين وذويهم على وسائل التواصل الاجتماعي، فإن المعتدين يرتدون زي قوات "الدعم السريع" التي يرأسها محمد حمدان "حميدتي" نائب رئيس المجلس العسكري.

وتقول رئيسة تحرير صحيفة "أخبار الوطن" المعارضة هنادي الصديق للجزيرة نت إن قوة نظامية وصلت فجر السادس من مايو/أيار الجاري محيط الاعتصام على سيارة عسكرية عليها لوحة "ق د س" (اختصار لقوات الدعم السريع) واعتدت بالضرب على مجموعة من المعتصمين بينهم ابن أخيها.

وأفادت بأن الضرب كان بالعصي والخراطيم وبأعقاب البنادق، ونتج عنه -بحسب التقرير الطبي- إصابة في الأذن اليسرى تسببت في الأذى الجسيم، إضافة إلى تعرضهم لرضوض في جميع أنحاء الجسم وإصابات بالرأس.

وتعتقد هنادي أن حديث المجلس العسكري عن عدم صلة القوات الرسمية في الجيش والدعم السريع بالاعتداء وأن هناك "جهة ثالثة" ليس سوى محاولة لدس السم في الدسم، وللإيحاء بأن الفاعل هي كتائب الأمن الشعبي.

وتضيف "كل هذا لا يعفي المجلس العسكري من المسؤولية تجاه ما حدث وما سيحدث لاحقا للمعتصمين، إذ إنه بحكم المسؤولية الأمنية الحامي الأوحد للبلاد ولساحة الاعتصام من أي اعتداء خارجي، إلا إذا كان يمهد لفض الاعتصام بهذا الأسلوب لينفي عن نفسه تهمة الاعتداءات التي تتم من وقت لآخر".

مخطط للفوضى
وترى هنادي أن ما يحدث هو جزء من مخطط رتب له بدقة من جهات خارجية وداخلية هدفها إثارة البلبلة وسط الثوار وإحداث فوضى يجد من خلالها المجلس العسكري حجته لإعلان الطوارئ من جديد وإحكام قبضته على الدولة والابتعاد عن كماشة الحكومة المدنية التي قالت إنها ستقود كل أركان النظام السابق إلى العدالة، بمن فيهم أعضاء المجلس العسكري أنفسهم وخاصة قادة "الدعم السريع" وعلى رأسهم حميدتي المتهم بارتكاب فظائع إبان حرب دارفور.

لكن ثمة من يرى أن قائد "الدعم السريع" تمكن خلال الأيام التي تلت الإطاحة بالبشير ونظامه من كسب تأييد وتعاطف شعبيين واسعين بإعلانه مساندة الثوار والمشاركة في عملية التغيير، ورفضه التورط في فض الاعتصام الذي بدأ منذ يوم 6 أبريل/نيسان الماضي.

وبحسب مسؤول في المعارضة تحدث للجزيرة نت، فإن مشاركة قوات حميدتي في عمليات ضرب وتنكيل بالمعتصمين خلال اليومين الماضيين لا تبدو مفهومة وهي التي وقفت بقوة إلى جانب الثوار.

مسؤولية المجلس
ويشدد المتحدث باسم تجمع المهنيين أمجد فريد في حديث للجزيرة نت على أن المجلس العسكري الذي استولى على السلطة وفرض نفسه بحكم الأمر الواقع، عليه المحافظة على الأمن وحماية المعتصمين أو يسلم الأمر لحكومة مدنية تتولى إدارة البلاد. وأضاف "حتى حديثه عن طرف ثالث يقع في إطار مسؤوليته كحاكم للسودان".

ويشير فريد إلى أن قضايا ساخنة عديدة تواجهها البلاد تستدعي على المجلس وقف ما سماه التلاعب بإثارة قضايا ليست من اختصاصه، وتسريع تسليم السلطة إلى حكومة مدنية بدلا من إطالة العملية بهذه الطريقة.

ويقول إن هناك مليشيات تابعة لحزب المؤتمر الوطني وكتائب ظل تحدث عنها صراحة النائب الأول السابق علي عثمان، وهي قوات غير منضبطة وعصابات إجرامية ما زالت موجودة ويمكن أن تكون مسؤولة عن هذه الانفلاتات.

وتابع فريد "بالطبع يمكن أن يكون هناك جزء من القوات النظامية وقوات الدعم السريع يشارك أيضا في هذه التصرفات، لكن كل هذا من مسؤولية المجلس العسكري في حفظ الأمن".

ويؤكد المحلل السياسي علاء الدين بشير أن أول الشكوك حيال الطرف الثالث يتجه إلى "كتائب الظل وفلول أجهزة نظام البشير وأذرعه الأمنية والعسكرية التي لا تزال تختبئ فى سراديب ودهاليز الدولة العميقة".

تصعيد وتوتر بين قوى التغيير والمجلس العسكري (الجزيرة)

 

شكوك متعاظمة
ويرى بشير أن المجلس العسكري تخاذل عن تفكيك تلك الكتائب واعتقال قياداتها المعروفة، رغم أنه عرض قبل أيام أسلحة وأحزمة ناسفة تخص قوى الأمن الشعبي.

وأضاف "مع ذلك لم يتجرأ المجلس العسكري بالقول إنه اعتقل قادة ذلك الجهاز الأمني ولا عن وضع يده على أسلحته وعتاده الكثير المنتشر بعناية في مقرات تقبع في مناطق متفرقة من العاصمة".

ويرى بشير أن إفادة المجلس العسكري عن "طرف ثالث" صوبت نحو جنرالاته، خاصة أنهم التزموا أمام الرأي العام بعدم فض الاعتصام بالقوة، لكنهم مع الأيام لم يستطيعوا إخفاء الضيق من تمسك الثوار الشباب باعتصامهم.

ويشير إلى أن الحجة الأساسية التي دفع بها الجنرالات لتمسكهم بأن يكون القرار السيادي بيد العسكريين حسبما تقتضيه الدواعي الأمنية، يدحضها الواقع الأمني الذي صنعه جنرالات المجلس العسكري أنفسهم حيث أوكلوا لمليشيا الدعم السريع مهمة حفظ الأمن في العاصمة وحراسة المرافق والطرق المهمة فيها، بينما أبقوا الجيش داخل ثكناته مع اختفاء تام لدوريات الشرطة.

ويردف بشير قائلا "رغم ما قيل سابقا عن إلحاق الدعم السريع بالجيش النظامي فغإن الواقع الماثل يكذب ذلك"، مشيرا إلى ما قاله عضو المجلس المستقيل عمر زين العابدين في أول مؤتمر صحفي للمجلس يوم 12 أبريل/نيسان الماضي من أن حميدتي وقواته جزء أساسي من التغيير.

ويتابع "إذا كانوا جزءا من الجيش النظامي لماذا احتاج أن يبين موقعهم المنفرد من التغيير الذي قال إن الجيش صنعه باستجابته لشعبه المحتشد أمام مقر قيادته، فهو لم يقل إن سلاح المهندسين أو المدرعات مثلا جزء من التغيير".

وينبه علاء الدين إلى نقطة مهمة وهي ما أطلق عليها "فوضى الأزياء"، قائلا إنه ليس لقوات الدعم السريع زي يميزها عن سواها.

ويردف "كانت فوضى الأزياء فاشية في ظل المليشيات المتعددة لنظام الرئيس البشير وتغولها كثيرا على صلاحيات القوات النظامية للدولة وانتحالها صفتها وقيامها بعمليات قمع وانتهاكات".

ويؤكد أن مليشيا الدعم السريع ليست بدعا في ظل إحكامها السيطرة على العاصمة، وفي ظل حالة السيولة الأمنية الماثلة، فليس مستبعدا لقوات لم تألف حياة المدن وأنشئت لمهام قتالية في الصحاري والوديان أن تشتبك مع الثوار المتحفزين، خاصة أن عناصرها -ابتداء من قائدهم- سريعو الانفعال، وهو الذي هدد من قبل بعدم السماح لأي فوضى.

ويضيف "شتان ما بين مفهوم الفوضى في أذهان الثوار الشباب وبين المفهوم المستكن في ذهن القائد حميدتي".

المصدر : الجزيرة