استطلاع آراء الناخبين في تونس.. حقيقة أم خديعة؟

شيخ تونسي بعد الإدلاء بصوته في الانتخابات البلدية العام الماضي (الأناضول)
شيخ تونسي بعد الإدلاء بصوته في الانتخابات البلدية العام الماضي (الأناضول)

خميس بن بريك-تونس

توقع مراقبون بتونس أن تحمل نتائج الانتخابات المنتظرة نهاية العام الحالي في طياتها مفاجآت كبرى، وأن يستخدم جزء من الناخبين ما يعرف بآلية "التصويت الغاضب" لمعاقبة الأحزاب الحاكمة على تدهور الوضع العام، بينما يعتقد آخرون أن ذلك يرتكز على نتائج استطلاع "موجهة".

وثار جدل كبير مؤخرا عقب نشر مؤسسة سبر الآراء الخاصة "سيغما كونساي" استطلاعا للرأي حول نوايا التصويت، أظهر تراجعا كبيرا لحركة النهضة رغم بقائها متصدرة للمشهد السياسي، مقابل صعود شخصيات وأحزاب حديثة العهد.

وحسب نتائجها، تصدرت حركة النهضة نوايا التصويت في الانتخابات التشريعية بـ18%، تليها حركة "تحيا تونس" المحسوبة على رئيس الحكومة يوسف الشاهد بـ16.5%، ثم الحزب الدستوري الحر المناهض للإسلاميين بـ14.7%، بينما تراجع "نداء تونس" المتفكك ليحصد 11%.

تلاعب
وشكك النائب بحركة النهضة محمد بن سالم في مصداقية نتائج الاستطلاع، وقال في حديث للجزيرة نت إنها مجرد تلاعب بالأرقام والمعطيات من قبل مؤسسات سبر الآراء التي تهدف إلى توجيه الرأي العام والتأثير على الناخبين مع اقتراب الانتخابات، عبر إيصال رسائل موجهة تُحرّف الواقع.

مناصرون لحركة النهضة أثناء حملة انتخابية سابقة (رويترز)

ويرى بن سالم أن نتائج الاستطلاعات أصبحت خطرا على الديمقراطية لأنها تزوّر الواقع السياسي ولا تعمل على قياس توجهات الناخبين بنزاهة، وقال "أحيانا تظهر نتائج سبر الآراء حركة النهضة في المركز الأول بنسبة 33% من الأصوات لتخويف منافسيها ودفعهم للتكتل ضد النهضة".

وبرر صعودَ الحزب الدستوري الحر في نوايا التصويت لزعيمته المحامية عبير موسي الموالية للنظام السابق والمعادية لحركة النهضة، باعتمادها على خطاب شعبوي يستغل مشاعر الغضب لدى جزء من الناخبين على الوضع العام ويعدهم بإعادة هيبة الدولة وتحسين الوضع.

كما اعتبر أن صعود خبير القانون الدستوري قيس سعيد وخلفه مالك قناة "نسمة" التلفزيونية الخاصة نبيل القروي في استطلاعات الرئاسيات، مجرد "ظاهرة صوتية"، منتقدا ما اعتبره استغلالا فاحشا لمشاعر الطبقات الفقيرة من قبل القروي وقيامه بأعمال خيرية لكسب تأييدهم.

ومؤخرا تم إغلاق قناة "نسمة" مؤقتا بالقوة العامة بقرار من الهيئة المستقلة للإعلام السمعي البصري (هايكا) بسبب بثها دون رخصة قانونية، مما أثار هبة من قبل الطبقات الفقيرة التي تنتفع بمساعدات اجتماعية في إطار برنامج خيري لمالك القناة يرى البعض أنه حملة انتخابية مقنعة.

مؤسس قناة "نسمة" نبيل القروي سجل صعودا في استطلاعات الرأي (مواقع التواصل)

توجيه
من جهته، يقول النائب عن حزب التيار الديمقراطي المعارض غازي الشواشي إن استطلاعات الرأي تدار في تونس خارج الأطر القانونية في ظل فراغ تشريعي ينظم هذا القطاع، مذكرا أن حزبه تقدم منذ ماي/أيار 2016 بمشروع قانون ينظم عمليات الاستطلاع، لكنه لم ير النور إلى الآن.

ويضيف الشواشي للجزيرة نت أن استطلاعات الرأي تقف وراءها أطراف سياسية ورجال أعمال يسعون لصناعة رأي عام وتوجيهه قصد التأثير عليه في الانتخابات لمصلحة أحزاب ضد أخرى، مؤكدا أن هناك تلاعبا كبيرا في نتائج الاستطلاعات للتحكم في صعود أحزاب ونزول أخرى.

ويعتبر أنه يتعين قراءة نتائج الاستطلاع من كل الجوانب لتحليل واقع المشهد السياسي، متوقعا وقوع عدة مفاجآت في الانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة التي ستجرى يوم 6 أكتوبر/تشرين الأول و10 نوفمبر/تشرين الثاني المقبلين، إذا ارتفعت نسبة المشاركة.

في أحد أسواق العاصمة تونس (الأناضول)

تصويت عقابي
ويرى الشواشي أنه إذا انحسرت نسبة مشاركة الناخبين في حدود 35% كما حصل من عزوف في الانتخابات البلدية التي جرت في مايو/أيار 2018، فإن الأحزاب الكبرى -على غرار حركة النهضة وتحيا تونس ونداء تونس- ستتصدر المشهد، بالنظر إلى التمويلات الكبرى التي ستوظفها.

ويقول إن الناخبين يمكنهم تحسين الوضع إذا أحسنوا اختيار البديل باستخدام التصويت العقابي ضد الأحزاب الحاكمة، معتبرا أن صعود الحزب الدستوري الحر وشخصيات مثل قيس سعيد ونبيل القروي في استطلاعات الرأي، يعكس غضب جزء من الناخبين، لكنهم لا يملكون أي برامج.

وردا على ذلك، يقول صاحب مؤسسة "سيغما كوساي" حسن الزرقوني إن نتائج استطلاع الرأي التي كشفها قبل أيام أظهرت وجود حالة من الغضب لدى جزء من الناخبين على تردي الأوضاع في البلاد عقب الثورة، مشددا على نزاهة ومصداقية المنهجية العلمية المتوخاة في الاستطلاع.

نتائج نزيهة
وفي حديثه للجزيرة نت، برر الزرقوني صعود شخصيات -على غرار قيس سعيد ونبيل القروي وعبير موسي- بخيبة أمل جزء من الناخبين وحتى نقمة البعض منهم على الطبقة السياسية والسلطة التنفيذية والتشريعية وحتى المعارضة، فضلا عن استعمال تلك الشخصيات لخطاب شعبوي يستثمر في مشاعر التونسيين.

وأكد أن كل ما ينتج عن مؤسسته من نتائج الاستطلاعات هو مجرد قياس لتوجهات الناخبين ويخضع للمعايير العلمية الدولية في الهندسة الإحصائية، مشيرا إلى أنها تنشط في عديد العواصم الغربية وتعمل في إطار شفاف ولا ترفض الخضوع لأية قوانين تونسية.

مساندون للرئيس الحالي الباجي قايد السبسي أثناء حملة انتخابية سابقة (رويترز)

سيناريو ممكن
من جهته، يقول المحلل السياسي منذر بالضيافي إنه يصعب الوثوق نهائيا في نتائج الاستطلاعات، لكنه يقول إنه لا بد من وضعها كسيناريو ممكن لقراءة المشهد السياسي وتوجهات الرأي العام، مبررا غضب بعض الأحزاب منها بسبب تراجع نسب فوزهم بالانتخابات.

وبرر بالضيافي في حديثه للجزيرة نت تراجع أحزاب حاكمة على غرار حركة النهضة مقابل صعود شخصيات مفاجئة، بفشل منظومة الحكم الحالية وتصاعد منسوب التصويت العقابي لدى جزء من الناخبين بسبب تدهور القدرة الشرائية واستشراء الفساد في قطاعات حساسة كالصحة وضعف الدولة.

وتوقع أن ترتفع مشاركة الناخبين في الانتخابات المقبلة مع تسجيل إقبال كبير على عمليات التسجيل لدى هيئة الانتخابات، قائلا "لعل هذا الإقبال الكبير على التسجيل يعكس رغبة جزء من التونسيين في معاقبة منظومة الحكم الحالية عبر الانتخابات كأداة وحيدة للتغيير".

المصدر : الجزيرة