"خذلوني ومانديلا".. آخر رئيس أبيض لجنوب أفريقيا يتحدث

الرئيس الأبيض دي كلارك سلم مانديلا السلطة وعمل نائبا له لمدة سنتين (رويترز)
الرئيس الأبيض دي كلارك سلم مانديلا السلطة وعمل نائبا له لمدة سنتين (رويترز)

كان يوما صحوا في بريتوريا عندما تدفقت الشخصيات المرموقة من كل أرجاء المعمورة للمشاركة في الحدث الأهم في تاريخ جنوب أفريقيا المضطرب.

هذا اليوم هو العاشر من مايو/أيار 1994 وأما الحدث فكان تنصيب نيلسون منديلا أول زعيم أسود للبلاد لينهي بذلك 300 عام من حكم الأقلية البيضاء.

احتفالا، باليوم المشهود، أدت الطائرات العسكرية رقصات استعراضية ورسمت في الجو ألوان العلم الجديد لتعلن بداية حقبة "دولة قوس قزح تعيش في سلام مع نفسها ومع العالم".

على المنصة ذاتها كان يجلس الرئيس المنتهية ولايته فريديرك ويليام دي كلارك، ولكنه لم يكن موضع احتفاء وبالكاد أحس بحضوره الضيوف الكبار من قبيل الأمير فيليب وفيدل كاسترو وبناظير بوتو وهيلاري كلينتون وروبرت موغابي. كان ذلك أول أيام مانديلا في السلطة وآخر أيام كليرك فيها.

وإلى جانب آخر من المبنى الحكومي، نقل دي كليرك أغراضه وموظفيه حيث خدم لسنتين كواحد من نائبين للرئيس الأسود الجديد.

لكن دي كلارك لم يكن أقل دورا من مانديلا في جعل جنوب أفريقيا تشهد هذا الحدث، إذ اتخذ إجراءات خلال السنوات الأربع التي سبقت وصول السود لسدة الحكم.

من أهم هذه الإجراءات رفع الحظر عن حزب المؤتمر الوطني الأفريقي وإطلاق سراح نيلسون مانديلا وغيره من السجناء السياسيين وتنظيم انتخابات حرة ونزيهة.

ومن مكتبه المطل على جبل كيب تاون، عاد دي كلارك للماضي وتحدث للصنداي تايمز عن الشعور بالوفاء والرضا إزاء أحداث العاشر من مايو/أيار عام 1994".

"لقد كان واحدا من أكثر من الأيام سعادة في حياتي.. عندما أصبحت رئيسا عام 1989 قررت أن أطلق مفاوضات حول دستور جديد وإنشاء نظام جديد بالكامل لجنوب أفريقيا. ولمرة واحدة يفي سياسي بوعده".

يومها حصلت انشقاقات كثيرة في حزبه وتلقى تهديدات بالقتل من المتطرفين البيض الذين اتهموه بإغراق البلد في النهر، لكنه كان واثقا من أنه يعمل الشيء الصواب.

رجلان عظيمان
"من دون مانديلا ربما لن يحدث هذا بشكل سلمي.. كنا محظوظين بأن لدينا هذه القامة السامقة.. بسعة أفقه ونزاهته.. ليتبوأ رأس النظام الجديد".

أيضا لم يكن ذلك ليحدث لولا دي كلارك. لقد حبى التاريخ هذا البلد برجلين عظيمين في نفس الوقت، أحدهما بادر لرسم وإطلاق حقبة جديدة والثاني قادها دون إراقة الدماء وهو ما لم يكن يتصوره البيض والسود على حد سواء.

ويروي دي كلارك للصنداي تايمز أنه لم يقم بهذه الخطوة خوفا من العقوبات، وإنما لكون التاريخ حط رحله بجنوب أفريقيا ليؤذن ببدء حقبة العدالة والإنصاف والمساواة بين الجميع.

في خطاب ألقاه أمام البرلمان في فبراير/كانون الثاني عام 1992 أنهى دي كلارك رسميا نظام الفصل العنصري وأطلق مفاوضات استمرت أربع سنوات حول ملامح جنوب أفريقيا الجديدة، توجت بتسلم مانديلا مقاليد الحكم في البلاد.

صورة توثق لحظة خروج نيلسون مانديلا من بوابة السجن (رويترز)

والآن ومع بلوغه الـ 83 يبدو آخر الرؤساء البيض لجنوب أفريقيا وقد ازداد شيبا ووزنا لكن ملامحه لم تتغير كثيرا ولا يزال قوي الذاكرة والعقل تماما مثل ما كان عندما حاورته الصنداي تايمز عام 1994.

يراقب دي كلارك الانتخابات المقرر إجراؤها في جنوب أفريقيا الأربعاء المقبل والتي يتوقع أن يفوز بها الرئيس سيريل رامافوزا ولكنه ربما لن يحصل على تفويض مطلق إذ يتطلب ذلك 60% من الأصوات.

يعرف دي كلارك الرئيس الحالي جيدا ويحترمه لأنه كان المفاوض الرئيسي عن نيلسون مانديلا، لكنهما ليسا صديقين ولا يتحدثان إلا نادرا.

لقاءات سرية
في حديثه للصنداي تايمز يعود دي كلارك إلى أول لقاء جمعه بمانديلا عام 1989، بعد وقت قصير من استلامه للسلطة خلفا لـبي دبليو بوثا. يومها أُحضر مانديلا في الظلام إلى المكتب الرئاسي في كيب تاون.

قبل ذلك جرت مباحثات سرية بين السجين مانديلا والرئيس بوثا. وعدما استلم دي كلارك السلطة اتخذت الأمور منحى أكثر جدية وتسارعت وتيرة التفاوض.

"في أول لقاء لم نناقش القضايا التي سنتفاوض حولها لاحقا.. تحدث مانديلا عن إعجابه بالجنرالات الذين حاربوا الإمبراطورية البريطانية... لقد كان كل منا يقيّم الآخر".

بعد أسابيع قليلة سقط جدار برلين مما منح دي كلارك الفرصة التي كان يتطلع إليها، فـ "لم يكن التهديد الشيوعي نسجا من خيالنا.. كان الاتحاد يتبنى سياسة توسعية وعدائية تجاه كل أفريقيا الجنوبية وبالذات جنوب أفريقيا".

وعلى الأقل فإن نصف قيادات حزب المؤتمر الوطني الأفريقي كانوا أعضاء في الحزب الشيوعي أو تلقوا دورات تدريبية في روسيا، بمن فيهم خليفة مانديلا ثابو مبيكي فقد خضع لتدريب عسكري لمدة سنة في موسكو، وآخرون تلقوا تدريباتهم في شرق ألمانيا.

ويوضح دي كلارك أن لقاءه الثاني بمانديلا كان في السجن "وأبلغته بقراري إطلاق سراحه في الغد فأجابني: لا. وعندما سألتي عن سبب اعتراضه رد علي نحتاج أسبوعا للتهيئة".

ويضيف آخر الرؤساء البيض "أذكر أنني خاطبته: السيد مانديلا لقد قضيت في السجن ما يكفي. أنا وأنت سنتفاوض في أمور كثيرة في المستقبل ولكن تاريخ إطلاق سراحك ليس خاضعا للنقاش. دعنا نتفاوض حول أي وقت من النهار وأين تريد أن تكون (بعد مغادرة السجن).. ابتسم بلطف وقال حسنا".

اليوم التالي كان 11 فبراير/شباط عام 1990، وبالفعل ظهر مانديلا ممسكا بيد زوجته وخرج من بوابة السجن ليدخل مباشرة في كتب التاريخ.

وابتداء من هذه اللحظة تتالت الخطوات التصالحية من كلا الجانبين وتوجت بتسلم مانديلا مقاليد الحكم عام 1994 وكتابة دستور جديد في 1996.

دي كلاك تحسر على  التفريط في قيم الدستور وتكدّس الثروة في أيدي حفنة من الأثرياء (الصحافة البريطانية)

خيانة الإرث
لكن دي كلارك لا يخفي اليوم حنقه من خيانة الوسط السياسي للإرث المشترك بينه ومانديلا "فقد كانت المساواة من أهم الأهداف التي وضعناها للمجتمع وتبناها الدستور... إنه من العار أن نكون أقل مساواة اليوم منا في عام 1994 ...".

ولا يتعلق الموضوع فقط بالمساواة بين السود والبيض. إنما لكون سياسة التمكين للسود في مجال الأعمال أدت لبروز مجموعة من الأثرياء السود ومن بين هؤلاء الرئيس الحالي رامافوزا.

و"الآن يملك 10% من أغنياء جنوب أفريقيا -أقل من نصفهم بيض- ما بين 90 إلى 95% من الثروة الوطنية.. وهذه ليست القيم المؤسسة للدستور".

وهناك أمر آخر يثير غضب آخر الرؤساء البيض وهو تطرف بعض ساسة السود وخصوصا الشباب إلى حد أنهم يتجرؤون على الانتقاص من مانديلا بعد أن كان ذلك بدعة في جنوب أفريقيا.

يقول هؤلاء الراديكاليون ومنهم الرئيس السابق جاكوب زوما إن مانديلا خرج من السجن مسنا ومتأثرا بالعزلة والخوف ورضخ لهيمنة البيض وخصوصا فيما يتعلق بالدستور.

يعلق فيدريك وليام دي كلارك "هناك قصة تقول إننا استفدنا من مانديلا وحصلنا على أفضل ما في الصفقة.. كلا الجانبين قدما تنازلات كبيرة وهناك أيضا قصة يقولها البيض وهي أني بعت البلد وأني خائن.. ولكن معظم الناس سعداء بالدستور الذي تركناه لهم".

عندما غادر السلطة اعتبر الرجل أن مهمته الأولى هي الدفاع عن دستور 1996، وقد أنشأ مؤسسة لهذا الغرض قبل عشرين عاما ويجمع لها حاليا التبرعات.

وعلى خلاف العديد من الرؤساء الأفارقة يعيش دي كلارك وزوجته اليونانية إليتا حياة متواضعة في منزل تحفه الأشجار بحي راق في كيب تاون.

يحصل آخر الرؤساء البيض على معاش تقاعدي بقيمة 60 ألف جنيه إسترليني سنويا، وهو أقل مما يحصل عليه عضو البرلمان، وأقل بكثير من الراتب التقاعدي لجاكوب زوما الذي يحصل على 160 ألف جنيه إسترليني طيلة حياته إلى جانب ما نهبه وما تمكن من حمله معه.

لكن دي كلارك لا يشتكي من شيء ولا يحسد الآخرين على ما لديهم، ويقول "أعيش في رخاء ولكني لست غنيا. منزل واحد يكفي".

المصدر : صنداي تايمز