تسجيل من سجن إماراتي.. عندما بكى والد علياء عبد النور

أخيرا، وبعد نحو أربعة أعوام قاسية وطويلة من السجن والمرض والتعذيب؛ أسلمت المواطنة الإماراتية علياء عبد النور الروح لباريها في أحد سجون أبو ظبي، وغادرت الحياة مخلفة جبالا من الأسى وأنهارا من الدموع.
 
عاشت الراحلة سنواتها الأخيرة رهينة محبسين من سجن ومرض فتاك، وودعت الحياة وهي مقيدة بسرير أحد مستشفيات بلدها، وفق مركز حقوقي إماراتي غير حكومي.
 
رحلت على أبواب رمضان، صابرة محتسبة، تاركة جرحا عميقا ومأساة كبيرة في بيتها الصغير.

حسْب المنايا أن يكنّ أمانيا
في بيتها تغرد الأحزان، وربما لن يتمكن أحد من معرفة حجم الألم والحزن الذي يطبق الآن على بيت والدي علياء، وقد استبد بهم الهم والحزن طيلة السنوات الماضية.

فالأب المكلوم ابيضت عيناه من الحزن وفقد بصره من نزف الدموع الحارقة، ولم يكن من قميص يلقيه البشير على وجهه إلا قميص الكفن وأخبار الرحيل، والراجح أنه ما زال تحت صدمة فقد ابنته الغالية على قلبه دون أن تكتحل عيناه برؤيتها أو يحضر لحظاتها الأخيرة وهي على مرمى حجر منه.

أما الأم فربما استعاد لسان حالها قول المتنبي:

كفى بكَ داءً أن ترى الموتَ شافيا.. وحسْبُ المنايا أن يكُنّ أمانيا

فقد رأت في وفاة ابنتها السجينة المريضة راحة لها من عذاب استمر أربعة أعوام، والآن غادرت إلى عالم أكثر رحمة وعدالة من عالم الأرض وجلاديها.

ونقل عنها مغردون قولها إن ما يعزيها في وفاة فلذة كبدها أنها "ارتاحت من تعذيب السجان، وذهبت إلى رب السماوات والأرض، تقبل منها عملها وأعلى قدرها وأعزها بالدنيا والآخرة".

قصة مؤلمة
بدأت مأساة علياء عبد النور ذات صباح في منزل أسرتها بإمارة عجمان، حين اقتحمت وحدة أمنية المنزل بتاريخ 29 يوليو/تموز 2015، واعتقلتها بعد ضربها وركلها وتكبيلها ومنعها من ارتداء حجابها، وهي تغادر بيت الوالد رفقة سرية أمنية مدججة بالسلاح والكلاب البوليسية، وفق مصادر حقوقية.

وطوال الأشهر الأربعة الأولى من الاعتقال، عاشت علياء رهينة إخفاء قسري في زنزانة انفرادية دون فراش أو غطاء سوى الضوء القوي للمصباح المركز على جسدها، ضمن مسار تعذيب كانت تلك أبسط فقراته، بالإضافة إلى المنع من زيارة الأسرة أو معرفة مكان اعتقالها أصلا، وذلك ضمن حالة من "التسامح" على الطريقة الإماراتية.

استمر التعذيب والإخفاء دون محاكمة ثمانية أشهر أخرى، تعرضت فيها علياء -وفق أسرتها- لصنوف من التعذيب، شمل تقييد الأطراف وإجبارها على الوقوف ساعات طويلة.

كما تعرضت علياء -وفق أسرتها ونقله حقوقيون غربيون أيضا- لتحقيق في لبوس التعذيب، حيث يتم تعذيبها معصوبة العينين لفترات تمتد لأكثر من 18 ساعة، إضافة إلى إجبارها على خلع الحجاب الذي يمثل جزءا أساسيا من الهوية الثقافية والدينية للإمارات العربية المتسامحة.

وقالت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا إن أسرة علياء لم يسمح لها بزيارتها إلا بعد شهرين من احتجازها في سجن الوثبة، وكانت قد فقدت أكثر من عشرة كيلوغرامات من وزنها، بسبب تدهور حالتها الصحية نتيجة الظروف السابق ذكرها، حيث عاد مرض السرطان للانتشار مرة أخرى في جسدها، مع ظهور أورام في الغدد الليمفاوية وتكيس وتليف بالكبد، إضافة إلى إصابتها بهشاشة في العظام نتيجة احتجازها مدة طويلة في غرفة شديدة البرودة دون فرش أو غطاء.

ضحية السرطان
أضاف انتشار مرض السرطان بعدا مؤلما لمأساة علياء عبد النور، بعد أن كانت قد شفيت منه عام 2008. وفي مواجهة هذا المرض الفتاك اكتفت سلطات التعذيب الإماراتية بإحالتها إلى مستشفى المفرق الحكومي، ولم تتجاوز حقن العلاج عقارات مخدرة ومهدئات كما ذكر نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي.

وكشف المركز الدولي للعدالة وحقوق الإنسان عن أن المعتقلة نُقِلت إلى مستشفى توام بمدينة العين الإماراتية في العاشر من يناير/كانون الثاني الماضي دون إخطار عائلتها، ودون أي تبرير، بعد أن كانت في مستشفى المفرق الحكومي.

وخلال فترة الحجز الطبي كانت علياء مقيدة إلى سرير في غرفة دون تهوية، ورفضت النيابة العامة في الإمارات السماح بنزع القيود من أطرافها المثقلة بجراح التعذيب وانتشار السرطان في جسدها الضعيف، وباتت لا تقوى على الوقوف والمشي دون مساعدة بعد استشراء المرض في جسمها، وفقا للمركز الدولي للعدالة وحقوق الإنسان.

حاولت عائلة علياء الاستنجاد بأعلى سلطة قضائية في الإمارات، وجاء الرد قاسيا مرتين: الأولى بتأكيد حكم السجن الصادر عليها، والثانية برفض الإفراج المؤقت عنها من أجل العلاج.

لم تجد صرخات ذويها ولا استجداء والديها الضعيفين للسماح لابنتهما وقد فتك المرض الخبيث بجسمها الغض بأن تعيش أيامها الأخيرة بينهما، فقد حيل بينهما وبينها، وكان الرد يأتيهما كل مرة -وفقا لنشطاء على مواقع التواصل- "ستموت في المعتقل".

ماتت علياء ورحلت عن حياة القهر والتعذيب، ولكنها بقيت ذكرى حية في نفوس أهلها وأحبابها، وقصة ذات دلالة كبيرة سطرت صفحة سوداء من التاريخ السياسي والأمني في إمارات "التسامح".

المصدر : مواقع التواصل الاجتماعي,الجزيرة