هل يهدد تباين الرؤى وحدة المعارضة في السودان؟

يرى البعض أن الخلافات داخل تحالف المعارضة السودانية أمر طبيعي بسبب تركيبة هذا التحالف المتنوعة (الأناضول)
يرى البعض أن الخلافات داخل تحالف المعارضة السودانية أمر طبيعي بسبب تركيبة هذا التحالف المتنوعة (الأناضول)

مزدلفة محمد عثمان-الخرطوم

عكست بيانات متلاحقة لقوى رئيسية في تحالف إعلان الحرية والتغيير المعارض بالسودان حالة من الشقاق والتنافر الكبير حيال أهم التطورات على الساحة السياسية، خاصة بعد تدخل لجنة وساطة للتقريب بين التحالف المعارض والمجلس العسكري الانتقالي.

فمقترح الوساطة الذي تقول قوى الحرية والتغيير إنه لا زال قيد الدراسة وعليه ملاحظات، نجح إلى حد بعيد في إعادة تحالف المعارضة إلى نقطة الصفر، وهي حالة التباين العميقة التي كانت تميز علاقاته حتى قبل تفجر الاحتجاجات المطالبة بتغيير النظام في ديسمبر/كانون الأول الماضي.

ولم تكن قوى التغيير ترغب في ما يبدو منذ البداية في تدخل أي جهة للتوسط بينها وبين المجلس العسكري الانتقالي بشأن تكوين الحكومة الانتقالية التي تقول إنها يجب أن تكون مدنية بالكامل مع تمثيل وصلاحيات محددة للعسكر، لذلك فإنها قابلت بشكل فاتر مساعي الوساطة التي يقودها رجل الأعمال أسامة داؤود والصحفي المخضرم محجوب محمد صالح وآخرون.
بحسب مراقبين، فإن الشارع السوداني سيبحث عن بدائل في حال تفككت وحدة تحالف قوى الحرية والتغيير (الأناضول)


مقترح بمجلسين
ومع ذلك، قدمت هذه اللجنة أفكارها للطرفين متضمنة مقترحا بتشكيل مجلس سيادي مشترك يتكون من سبعة مدنيين وثلاثة عسكريين، برئاسة الفريق عبد الفتاح البرهان، بجانب مجلس للأمن القومي والدفاع من سبعة عسكريين وثلاثة مدنيين، يرأسه البرهان أيضاً.

ونص المقترح على تكوين مجلس وزراء كامل الصلاحيات التنفيذية تختاره قوى الحرية والتغيير برئاسة رئيس وزراء يشارك في اختيار وزرائه، ولا يتدخل مجلس الأمن والدفاع في هذا الاختيار إلا في حدود الفحص الأمني.

لكن الحزب الشيوعي سارع في بيان أصدره أمس السبت إلى رفض مقترح الوساطة صراحة، مع تأكيده التمسك بموقف قوى إعلان الحرية والتغيير، وهو جزء منه، لكنه آثر على ما يبدو أن يستبق أي موقف يصدره يتماهى مع الموافقة على المقترحات.

ورأى الحزب في المقترح محاولة لإعطاء شرعية منزوعة في الأساس من المجلس العسكري حين يكون ممثلا في المجلس السيادي.

وقال في بيان له إنه متمسك فقط بما توصل إليه مع حلفائه في قوى إعلان الحرية والتغيير بالالتزام بالإعلان الدستوري وعدم رئاسة أي رتبة عسكرية مجلس السيادة المدني، ولا مشاركة أعضاء المجلس العسكري في المجلس السيادي، إذ إن المشاركة العسكرية تضفي عليه صفة "المجلس الانقلابي".

وأكد كذلك رفضه الكامل لإنشاء مجلس دفاع عسكري للأمن القومي خارج المؤسسة المدنية كواحدة من مستويات وهياكل السلطة القادمة.

تعميق الخلاف
ومع أن قيادات أخرى في تحالف قوى الحرية والتغيير أكدت للجزيرة نت أن مشروع الوساطة لا زال قيد الدراسة ولم يخرج حوله قرار نهائي، فإن تصريحات لمريم الصادق المهدي نائبة رئيس حزب الأمة عمقت الخلافات بين قوى التحالف، حين امتدحت الأفكار الواردة في مقترح الوساطة.

وقالت الصادق –خلال برنامج تلفزيوني بث مساء السبت- إن المقترحات كانت متقدمة حتى على وثيقة قوى المعارضة التي سلمتها للمجلس العسكري.

وأضافت "سلطات المجلس السيادي الذي تحدثت عنه الوساطة رمزية محدودة وهو محل إجماع، إلى جانب وجود مجلس خاص بالدفاع والأمن القومي، أما الحكومة فهي حكومة أكفاء يتم التشاور مع الآخرين من أصحاب الكفاءة لتنفيذ برامج تدعم بواسطة مجلس تشريعي قوي يحرس مكاسب الثورة ويتابع أداء الحكومة بعين فاحصة".

أما تجمع المهنيين السودانيين فكان بيانه أكثر وضوحا في الإشارة إلى الخلافات القائمة بين قوى الحرية والتغيير، حين أشار إلى أنه عندما بادر في أواخر العام الماضي إلى طرح إعلان الحرية والتغيير كان يهدف إلى خلق كتلة مقاومة موحدة تستطيع أن تقود عملية التغيير وإسقاط النظام، ومن ثم قيادة المرحلة الانتقالية.

وأضاف في بيانه الصادر الأحد "خلال الأسابيع القليلة الماضية ظللنا ندور في حلقة مستمرة من الاختلاف بين بعض التنظيمات السياسية، التي لم تلتزم بالقرارات الجماعية والإعلام الموحد والمشترك في إصدارها البيانات المنفردة والأحادية، بحثاً عن مصالح حزبية مُتعجلة".

وتابع "البيانات والصراعات والأصوات الحزبية المتضاربة تضرب الثقة بين مكونات الشعب السوداني في وقت نحن أحوج ما نكون فيه للوحدة لإكمال مهام ثورتنا التي لا زالت تواجهها تحديات عديدة وأعداء كُثر يتربصون بها من كل جانب".

وأشار التجمع -الذي ينسب إليه الفضل الأكبر في تحريك الشارع السوداني على مدى الأشهر الخمسة الماضية- إلى أن المقترحات المقدمة من الوساطة السودانية وجدت موافقة جماعية من قوى الحرية والتغيير.

ومع ذلك، قال إنه لن يقبل إلا بمجلس سيادي مدني انتقالي واحد بتمثيل محدود للعسكريين بحيث تتلخص مهام العسكريين في الأمن والدفاع.

ويؤكد الأمين العام للمؤتمر السوداني خالد عمر يوسف للجزيرة نت أن الوضع قبل 11 أبريل/نيسان الماضي يختلف عما تلاه من أيام، ويوضح أنه بعد الإطاحة بنظام البشير بات السودان في وضع جديد.

المعتصمون أمام قيادة الجيش بالخرطوم متمسكون بمطلب تسليم السلطة للمدنيين (الأناضول)


تباين الآراء
ويرى خالد أن تباين الآراء في ظل هذا الوضع حول الطريق الأمثل للتعامل مع الوضع الحالي "أمر طبيعي جدا"، مؤكداً أن هذا التباين داخل التحالف غير مقلق ما دام الجميع متمسكا بوحدته، وهو انعكاس للتركيبة المتنوعة المتعددة للقوى التي تشكله.

ويؤكد أن لدى قوى إعلان الحرية والتغيير من الآليات التي تعينها على إعلان مواقف موحدة، منوها إلى أن كل ما أثير حول الوثيقة الدستورية ولجنة الوساطة هو الآن أمر يخضع للبحث داخل التحالف، وسيخرج موقف يعبر عن كل المكونات.

ويستبعد خالد عمر أن يجنح أي طرف داخل التحالف لاختيار طريق مختلف عن البقية، مشيرا إلى أنه "لا نداء السودان ولا تجمع المهنيين ولا قوى الإجماع تعبر عن الشارع منفردة.. الشارع الآن تعبر عنه وحدة التحالف وإذا تفككت فالشارع سيبحث عن بدائل".

المصدر : الجزيرة