هوية الدولة.. المعركة المقبلة بالسودان

متظاهرون سودانيون أمام مقر القيادة العامة للجيش بالخرطوم (رويترز)
متظاهرون سودانيون أمام مقر القيادة العامة للجيش بالخرطوم (رويترز)
 محمد طه البشير

فتحت الوثيقة الدستورية -التي تقدمت بها قوى إعلان الحرية والتغيير- سجالا واسعا في السودان بشأن هوية الدولة فيما بعد نظام عمر البشير، هل هي مدنية أم علمانية، ومدى تقاطع ذلك مع الدولة الإسلامية، الحلم التاريخي للإسلاميين.

ونصت وثيقة قوى إعلان الحرية والتغيير التي تقود الحراك في السودان والتي قدمتها للمجلس العسكري الانتقالي على أن "السودان جمهورية مستقلة ذات سيادة، مدنية، ديمقراطية، تعددية، لا مركزية، تقوم فيها الحقوق والواجبات على أساس المواطنة بدون تمييز بسبب الدين والعرق والنوع والوضع الاجتماعي".

لكن الداعية الإسلامي عبد الحي يوسف يرى أن الدولة المدنية هي "تعبير غربي في مواجهة الدولة الدينية أو الدولة الثيوقراطية التي يتحكم فيها رجال الدين من النصارى ممن يمنحون صكوك الغفران وقرارات الحرمان ويتحكمون في كل شيء ويقفون سدا منيعا دون أي تطور علمي".

وهذا لا ينطبق على الدين الإسلامي كما يقول عبد الحي "فليس في ديننا طبقة تسمى رجال دين، وإنما علماء شريعة متخصصون فيها مثلما يتخصص آخرون في فنون شتى، ولم نسمع أن شيخا من شيوخ الإسلام قال للناس إن فلانا أدخلته الجنة، وفلانا أوجبت له النار، أو أن الاكتشاف العلمي الفلاني فيه كذا وكذا، بل نعلم من أصول ديننا أن الله أوكل كل ذي علم إلى أهله".

ودعا علماء ومشايخ سودانيون يوم 26 أبريل/نيسان الماضي -ومنهم الشيخ عبد الحي يوسف- إلى مسيرة مليونية أمام القصر الرئاسي في 29 أبريل/نيسان باسم "تيار نصرة الشريعة ودولة القانون"، لمناهضة دعوات علمانية الدولة السودانية، قبل أن يعلنوا في وقت لاحق تأجيل المسيرة بعد اجتماع بمحمد حمدان دلقو المعروف بـ"حميدتي" نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي.
 عبد الحي يوسف: الدولة المدنية هي تعبير غربي في مواجهة الدولة الدينية أو الدولة الثيوقراطية (الجزيرة)

ثورة مضادة
في المقابل، شن البروفيسور عبد الله علي إبراهيم أستاذ التاريخ في جامعة ميسوري بالولايات المتحدة والقيادي السابق في الحزب الشيوعي السوداني هجوما حادا على ما وصفها بالثورة المضادة للحراك الشعبي والادعاءات بأنه يهدف لتغيير الهوية وتنكيس راية الدين، وهو حديث قال إنه صدر بصورة مباشرة من الشيخ عبد الحي يوسف.

ولم تكن هذه المرة الأولى -بحسب إبراهيم- فقد جرى ذلك في ثورة أبريل/نيسان 1985 و"كانت هذه المظلة التي تحركت تحتها قوى لم ترد للثورة أن تأخذ مجراها، وتمسك هؤلاء الناس بمشروع إسلامي معيب ظهر في قوانين سبتمبر، وتكرر نفس الأمر خلال نظام عمر البشير فلم نر شيئا، رأينا مستوى من خفة اليد والسرقة ما لا علاقة له بأي أخلاق، ناهيك عن أن تكون أخلاقا إسلامية".

ويرى أن "منزلة الشريعة في الحراك وفي دولتنا القادمة هي أن الشريعة منا، ونحن مسلمون في الغالب، وحينما نتعاطى معها لا نتعاطى كما يروج له ويكيد به الدعاة من أمثال عبد الحي يوسف، وإنما كمسلمين ملتزمين، والشريعة جزء من تقاليدنا، بل هي كل تقاليدنا القانونية والدينية والأخلاقية".

حماية المجتمع
ويعرف "أبو منصف" -وهو من تجمع المهنيين السودانيين- على صفحته بفيسبوك الدولة المدنية بأنها دولة تحافظ وتحمي كل أعضاء المجتمع بغض النظر عن انتماءاتهم القومية أو الدينية أو الفكرية.

ومن أهم مبادئ هذه الدولة أنها لا تخلط الدين بالسياسة، كما أنها لا تعادي الدين أو ترفضه، وترفض استخدام الدين لتحقيق أهداف سياسية، وتتشابه مع العلمانية في أن كليهما لا يدعوان إلى مفهوم ديني للدولة، لكن العلمانية ترى أن الدين لديه شكل معين للدولة، وبالتالي فهو خطر يجب فصله، في حين ترى المدنية أن الدين ليس لديه شكل للدولة، فالرسول صلى الله عليه وسلم مات دون أن يحدد شكلا لنظام الحكم، وفق أبو المنصف.

لكن واضعي الوثيقة -حسب عبد الحي- أرادوا اللبس بقولهم دولة مدنية، لأنهم لو قالوا دولة علمانية لظهرت سوأتهم وأسفر وجههم واعترض الناس عليهم".

وتنص الدساتير في السودان على مدى نحو خمسين عاما على حاكمية الشريعة الإسلامية، آخرها دستور 1973 في عهد الرئيس الأسبق جعفر النميري والذي نص على "أن الشريعة الإسلامية مصدر أساسي من مصادر التشريع".

واعتمد واضعو وثيقة الإعلان الدستوري -التي قدمتها قوى إعلان الحرية والتغيير للمجلس العسكري- في بعض بنودها على دستور 2005 الانتقالي الذي طبق خلال الفترة الانتقالية بعد التوقيع على اتفاقية السلام بين شمال وجنوب السودان، ولكنهم حذفوا بندا نصه "تكون الشريعة الإسلامية والإجماع مصدرا للتشريعات التي تسن على المستوى القومي وتطبق على ولايات شمال السودان" بغضا منهم لما أنزل الله، كما يقول الشيخ عبد الحي.

قوانين الشريعة
وظهر تصور الدولة المدنية لأول مرة في السودان عام 1988 خلال المشاورات التي أجراها مجلس رأس الدولة مع الكتل البرلمانية بعد إقالة رئيس الوزراء السابق الصادق المهدي حكومته الثانية، تمهيدا لتوسيع الائتلاف بإشراك الجبهة الإسلامية (المؤتمر الوطني سابقا) في الوزارة وفق شروطها بإجازة قوانين الشريعة خلال شهرين.

ووقتها أجريت مشاورات بين الهيئة البرلمانية للحزب الشيوعي مع عضو مجلس رأس الدولة أسفيكو لادو بشأن مصطلحات دولة دينية، دولة علمانية، دستور إسلامي، دستور علماني، وتم التأكيد له على "أننا لا نتقيد بحرفية المصطلحات، أو بما إذا كان مصطلح علمانية بكسر العين أم بفتحها، وأننا نعطي الأسبقية للديمقراطية كحقوق وحريات وكنظام حكم ومؤسسات بحسب زعيم الحزب الراحل محمد إبراهيم نقد".

وحينها لم تسفر جهود مجلس رأس الدولة عن تقارب في وجهات النظر، وشاركت الجبهة الإسلامية في الحكومة، وقدمت مشروع قانون الترابي وتداعت الأحداث حتى انقلاب يونيو/حزيران 1989.

وبعد تكوين التجمع الوطني الديمقراطي (المعارض للنظام السابق) وتوقيع ميثاقه في أكتوبر/تشرين الأول 1989 ثم انضمام الحركة الشعبية إليه عام 1990، عقدت هيئة قيادة التجمع في الخارج اجتماعا في لندن من 26 يناير/كانون الثاني إلى 3 فبراير/شباط 1992 بمشاركة الحزب الاتحادي الديمقراطي وحزب الأمة والحزب الشيوعي السوداني والمؤتمر السوداني الأفريقي والنقابات والحركة الشعبية والقيادة الشرعية للقوات المسلحة وشخصيات وطنية، وأجاز ذلك الاجتماع الدستور الانتقالي الذي يحكم به السودان، عقب الإطاحة بحكومة الجبهة الإسلامية القومية خلال فترة انتقالية.

واشتمل الدستور الانتقالي على مواد وفقرات بشأن علاقة الدين والدولة، والدين والسياسة، ونصت المادة 10 على أن: 
- تعامل الدولة معتنقي الأديان السماوية وأصحاب كريم المعتقدات الروحية دون تمييز بينهم فيما يخص حقوقهم وحرياتهم المكفولة لهم في هذا الدستور كمواطنين، ولا يحق فرض أي قيود على المواطنين أو مجموعات منهم على أساس العقيدة أو الدين.
ـ يهتدي المسلمون بالإسلام ويسعون للتعبير عنه.
ـ يهتدي المسيحيون بالمسيحية ويسعون للتعبير عنها.
ـ يحظر الاستخدام المسيء للأديان وكريم المعتقدات الروحية بقصد الاستغلال السياسي.

وفي 17 أبريل/نيسان 1993 أصدر التجمع إعلان نيروبي بشأن علاقة الدين بالسياسة، وقد نص على الآتي:

 - تعتبر المواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان جزءا لا يتجزأ من القوانين السودانية، ويبطل أي قانون يصدر مخالفا لها ويعتبر غير دستوري. 

- يكفل القانون المساواة الكاملة بين المواطنين تأسيسا على حق المواطنة واحترام المعتقدات وعدم التمييز بين المواطنين بسبب الدين أو العرق أو الجنس أو الثقافة، ويبطل أي قانون يصدر مخالفا لذلك ويعتبر غير دستوري، ومن ضمن بنوده أيضا أنه لا يجوز لأي حزب سياسي أن يؤسس على أساس ديني.

 أمين حسن عمر: الثورات العربية جاءت بمدنية الدولة للواجهة (الجزيرة)

النموذج التركي
وبحسب القيادي الإسلامي السوداني أمين حسن عمر، فإن الحديث عن مدنية الدولة ليس أمرا جديدا، وبروز المظهر الإسلامي للثورات العربية جاء بالقضية إلى واجهة الحوار السياسي، حيث بدأت معركة التشكيك الكبرى من الغرب في قدرة الإسلاميين على إدارة الدولة الحديثة.

ولقد راجت كثيرا في الفترة الأخيرة ملاءمة واقع المنطقة العربية مع تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا الذي أنشأ دولة مدنية ناجحة في تركيا بمرجعية علمانية.

ويدعو عمر إلى دولة مدنية في المنطقة العربية بمرجعية تشابه هوية شعوبها وأعرافها وميراثها العقدي والفكري والثقافي، وهذه المرجعية ليست إلا المرجعية الإسلامية.

المصدر : الجزيرة