محللون إسرائيليون: التصعيد على غزة لن يتوسع لحرب شاملة

قادة جيش الاحتلال خلال عملية تقييم للأوضاع في غزة (الجزيرة نت)
قادة جيش الاحتلال خلال عملية تقييم للأوضاع في غزة (الجزيرة نت)

محمد محسن وتد-القدس المحتلة

يعكس التصعيد على جبهة غزة -وفق رؤية محللين إسرائيليين- محاولة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) لتحرير نفسها من طوق الضائقة الاقتصادية من خلال ممارسة ضغوط عسكرية على إسرائيل التي تراوغ في تنفيذ التفاهمات التي التزمت بجولة التصعيد التي سبقت انتخابات الكنيست.

وتدرك حماس -التي وجدت ذاتها مع حركة الجهاد الإسلامي بخط المواجهة مع إسرائيل- أن توقيت التصعيد غير ملائم لتل أبيب، وذلك بسبب قرب مواعيد أيام تخليد ضحايا معارك إسرائيل والاحتفال بالاستقلال، هذا الأسبوع، ومسابقة الأغنية الأوروبية "يوروفيجن" التي ستبدأ الأسبوع المقبل في تل أبيب.

وسعيا للتوصل إلى وقف إطلاق النار بين إسرائيل وفصائل المقاومة، أمضى رئيس المخابرات المصرية، عباس كامل، وقتا طويلا مع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، يحيى السنور، والأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، زياد النخالة، في محاولة لإيقاف القتال على جبهة غزة، والتوصل إلى تهدئة مؤقتة وإحداث تغييرات بالجانب الفلسطيني تمكن من التنسيق بين حماس والجهاد والعمل تحت مظلة واحدة.

جولة التصعيد
في ظل هذه الظروف، ورغم الخطاب الإسرائيلي الصارم، يبدو أنه من المحتمل أن تنتهي جولة التصعيد والتوتر في نهاية المطاف بتقديم تنازلات للفلسطينيين، وهو ربما ما كان ممكنا حتى دون حمام الدم الأخير، بحسب تقديرات محرر الشؤون العسكرية والأمنية في صحيفة "هآرتس"، عاموس هرئيل.

ويرى المحلل العسكري أن اتجاه عمليات الجيش الإسرائيلي ينعكس أيضا في بقية الخطوات المتخذة، إذ تقرر تجنيد محدود لفرق الاحتياط، من الدفاع الجوي، ووحدات الاستخبارات، وقيادة الجبهة الداخلية، كما عزز "فرقة غزة" بوحدات برية قليلة، مقابل نشر واسع لبطاريات القبة الحديدية، إذ يفضل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تجنب القيام بعملية برية في قطاع غزة.

وعلى وقع التصعيد على جبهة غزة، يعتقد هرئيل، أنه يجب عدم تجاهل ما يحدث بالساحة الفلسطينية الثانية، بالضفة الغربية، إذ تعاني السلطة الفلسطينية في رام الله أيضا من أزمة اقتصادية حادة، في ظل النزاع مع إسرائيل حول أموال الأسرى.

كما رجح أن عوامل إسرائيلية داخلية من شأنها أن تؤثر في قرار وسير العلميات العسكرية على جبهة غزة، لافتا إلى أنه تجري أيضا خطوات لتشكيل ائتلاف حكومي جديد، مع احتكاك وتوتر مستمر تقريبا في المجال العسكري.

استدعاء محدود لقوات الاحتياط بالجيش الإسرائيلي قبالة غزة (الجزيرة)

تأهيل الردع
بدوره، قال المحلل العسكري روبن بن يشاي "يبدو أن كلا الطرفين قررا التصعيد، إذ رفضت إسرائيل وقف إطلاق النار من جانب مصادر المخابرات المصرية، التي تحدثت مع قادة حماس والجهاد، حيث عرض المصريون وقفا فوريا وغير مشروط لإطلاق النار من الجانبين، لكن إسرائيل أعلنت أنها غير مستعدة لقبول مثل هذا الترتيب ولا حتى مناقشته، طالما استمر إطلاق النار من قطاع غزة".

ووفقا للمحل العسكري، فإن الأيام الأولى للقتال تتميز باستهداف جيش الاحتلال لعدد كبير من الأهداف التي تمت مهاجمتها في وقت واحد، بما في ذلك الأهداف المعروفة باسم "أهداف عظيمة" التي تضم المباني الشاهقة ذات المنشآت أو المقرات المهمة لتشغيل الذراع العسكرية للفصائل، كما هاجم الجيش ثمانية من أعضاء حماس والجهاد، وقصف الطيران عشرات المنازل لقادة الفصائل، وهي سمة جديدة لم تكن بجولات القتال السابقة.

ويقول كبار المسؤولين إن إسرائيل لا تنوي وقف إطلاق النار، حتى إذا امتد نطاق إطلاق القذائف الصاروخية إلى مركز البلاد وتل أبيب، وفيما يتعلق بإسرائيل، يقول بن يشاي إن "الهدف من الأيام الحالية للقتال التي بدأها الجهاد كاستفزاز، هو إعادة تأهيل الردع الذي تآكل، حتى لو كلف ذلك مواصلة القتال لبضعة أيام أخرى، إذ سيتعين على سكان الجنوب أن يعانوا حتى لا يدخلوا في دوائر من المواجهات الإضافية كل بضعة أيام أو أسابيع".

سقف المطالب
من جانبه، يرى محرر الشؤون الفلسطينية في الموقع الإلكتروني "واينت"، إيلئور ليفي، أن حركة الجهاد جرت حماس إلى المواجهة، لكن بالنسبة إلى رئيس المكتب السياسي لحماس يحيى السنوار، فإن التوقيت ممتاز. لافتا إلى أن حركة الجهاد قررت وفي أوج محادثات التهدئة تدمير الجهود لتهدئة طويلة الأمد، خشية من أن يسهم ذلك في تكبيل والحد من نشاط وحرية الأذرع العسكرية لفصائل المقاومة.

وأوضح ليفي أن التصعيد الذي أتى من أجل ابتزاز إسرائيل والموافقة على كافة مطالب حماس بتخفيف الحصار وإدخال الشاحنات الغذائية والتجارية والوقود وتحويل الأموال من قطر لغزة، يظهر من وجهة النظر الفلسطينية أن الجانب الإسرائيلي يماطل ويلتزم بالتفاهمات، الأمر الذي دفع السنوار لرفع سقف المطالب مقابل الهدوء، وهو ما يصعب مهمة الوسيط المصري.

حاجز الفرضيات
وعن مساعي التهدئة لوقف التصعيد على جبهة غزة، أوضح محلل الشؤون العربية والسياسية تسفي يرئيل، أن مصر مستعدة للتوسط بين الجانبين، لكن ليس لتكون شريكا، ففي الوقت الذي تبذل القاهرة جهودا لتثبيت "التهدئة"، تسعى جاهدة لتحقيق إنجاز أوسع، هو المصالحة بين فتح وحماس التي ستسمح بتشغيل حكومة فلسطينية متفق عليها في قطاع غزة، فالهدوء يخدم مصالح مصر التي لا يمكنها أن تكون ضامنة لاستمرار التهدئة.

ويعتقد يرئيل أن حماس كما الجهاد يستغلان الجدول الزمني الضاغط لإسرائيل بالنسبة لإحياء المناسبات والاحتفالات الوطنية والأوروبية، إلى جانب تزامن ذكرى النكبة الأمر الذي يشكل أيضا ضغطا إستراتيجيا يجبر إسرائيل على التعامل بسياسة ضبط النفس مع ابتزاز حماس والجهاد بغية عدم تقديم تنازلات واسعة.

وقال إن القاهرة تسعى بهذه المرحلة للالتزام بالاتفاقيات التي تم التوصل إليها قبل شهرين، بوقف إطلاق النار مع إسرائيل والحد من مسيرة العودة وفعاليات الإرباك الليلي، ووضع الأسس للمرحلة التالية، التي ستشمل اتفاق "تهدئة" طويل الأمد وإعادة التأهيل الاقتصادي لغزة.

ويرى أن تعزيز الحوار بين حماس ومصر خطوة مهمة للمضي قدما للتهدئة طويلة الأمد، علما أن الأطراف الثلاثة، إسرائيل ومصر وحماس، غير معنية في هذه المرحلة بحرب شاملة، كما أن الحوار من وجهة النظر الإسرائيلية أمر حيوي أيضا لوقف محاولات إيران لاستعادة حماس لحاضنتها والتعاون بين حماس وحزب الله. 

لكن يقول يرئيل "لا يملك أي من الطرفين في تل أبيب وغزة القدرة على تقييم الوقت الذي سيتجاوز فيه الإحباط والضيق والغضب في إسرائيل وغزة حاجز الفرضيات والتقديرات".

المصدر : الجزيرة