لوموند: اعتصام القيادة.. القلب النابض لسودان يحلم بالحرية والديمقراطية

محتجون ينتظرون وقت الإفطار أمام القيادة العامة (رويترز)
محتجون ينتظرون وقت الإفطار أمام القيادة العامة (رويترز)
أصبح معسكر المحتجين السودانيين أمام مقر الجيش في الخرطوم مكانا للاحتفال والتثقيف السياسي، ومحجا للقادمين من ثوار الأقاليم الحالمين بالديمقراطية والحياة الطبيعية، على الرغم من الشكوك والتهديدات التي تلوح في الأفق.
وفي تقرير ميداني أعده مراسل صحيفة لوموند الفرنسية جان فيليب ريمي، يتنقل القارئ بين أرجاء الميدان الذي توقف فيه المحتجون يوم 6 أبريل/نيسان الماضي، ورفضوا أن يغادروه قبل سقوط النظام، وتابعوا اعتصامهم فيه حتى اليوم في انتظار أن يتم الاتفاق بين المجلس العسكري الذي يهيمن على السلطة وممثلي الثورة.
وفي "جمهورية الجسر" (ميدان الاعتصام) حيث تنطلق الهتافات والشعارات نهارا وليلا وتضرب الإيقاعات على الأطباق بالحجارة والألواح، يعطي المراسل القارئ فرصة الاستماع إلى المعتصمين ولقاء القادمين من الأقاليم البعيدة ورؤية الخيم والمطابخ الكبيرة وصفوف المراحيض.
ويستغرب الكاتب الحماس الذي يدفع شابا لا يكاد يبلغ العشرين إلى التخلي عن عمله في استغلال الصمغ العربي في غرب السودان، وترك مكان اعتصامه في شمال كردفان لقطع أكثر من ثلاثمئة كيلومتر في الحافلة ليشاهد بأم عينه "الثورة" كما يقول في مقر الاعتصام بالعاصمة الخرطوم.
مدينة تزدهر
في هذا المكان الذي أصبح "سرة الثورة السودانية" وخلال شهر ونصف الشهر، بدأت مدينة بمساحة عدة كيلومترات مربعة تنمو ممتدة حتى الجسر المعدني الذي يعبر النيل الأزرق، كما يقول مراسل لوموند.

هنا -يقول المراسل- تناقش السياسة والديمقراطية والعلاقات بين الجنسين ويصام رمضان، حيث البعض مقيم لا يغادر المنطقة والبعض الآخر يأتي لإشباع الفضول أو للسياحة.
ورغم حساسية المكان واختلاف الآراء في الأيام الأولى من الاعتصام، استقر المحتجون في النهاية بشكل دائم هنا، مما أثار مشاكل لوجستية حادة، حيث طرحت "منذ الساعات الأولى مشكلة المياه ثم المراحيض، ثم نشأت الحاجة إلى الكهرباء، ثم إقامة هياكل لتثبيت الخيام وتنظيم المراكز الطبية، وإنشاء منامات وإطعام الجميع".
يقول علي سيوري الأستاذ في قسم الهندسة بجامعة الخرطوم وأحد المشاركين في إنشاء المدينة وهو يبتسم "أعتقد أننا حققنا أداء جيدا" ويشير إلى الطبيبة هاجر التي قال إنها تقضي معظم أيامها ولياليها في الاعتصام لتساعد في إدارة "المطبخ" الضخم.
وعلى مقربة من ساحة الاعتصام، بل وفي مكان مسيج داخلها، توجد مجموعة من قوات الدعم السريع التابعة للواء محمد حمدان دقلو (حميدتي) وهم -كما يقول المراسل- قد يشكلون حماية المعتصمين ولكن قد يشكلون أيضا تهديدا لهم، حسب ما تؤول إليه الأحداث المستقبلية.
ويقول أحد المسؤولين عن تنظيم الاعتصام إنهم يرسلون الفتيات للتحدث إلى هؤلاء الشباب ليشرحن لهم أن سبب ارتداء الزي العسكري هو غياب خيارات أفضل، وليجعلنهم يفهمون أن المعتصمين يدافعون عن التعليم ويسعون لخلق الفرص وعالم أفضل.
ويرى المراسل أن كل شيء هش، وأن الاعتصام عرضة للعنف والاستفزاز من قبل المؤيدين للرئيس السابق عمر البشير الذين يرغبون في إعادة الأمور إلى ما كانت عليه، رغم عمليات التفتيش المستمرة ومصادرة السكاكين والأشياء الحادة بجميع أنواعها.
وفي مدينة الاحتجاج هذه تمضي الأمور -حسب المراسل- بين الارتجال والتنظيم المركزي، وعلى منصاتها يناقش المعتصمون ويعطون دروسا في التربية المدنية، ويتبادل الخطباء لتوضيح ضرورة إعطاء السلطة للمدنيين وأهمية الإضراب العام. 
وينبه المراسل إلى ما تمثله إعاشة عشرات الآلاف من الأشخاص في أحد المعسكرات العملاقة لمدة سبعة أسابيع من تحديات، مشيرا إلى إقامة صفوف من المراحيض وجلب مولد عملاق قادر على تعويض انقطاع التيار الكهربائي، ووجود أطباء وسيارات إسعاف عند الحاجة.
فنون.. غناء وغيره
كل ليلة يرقص الناس ويغنون، وعلى بعد أمتار منهم يتابع الجنود العرض ويتجول قسم منهم على طول الطريق وحتى جسر بحري المعدني الذي يتحول بعد حلول الظلام إلى آلة موسيقية عملاقة عند الضرب عليه بالحجارة أو القضبان.
وأشار المراسل إلى أن الاحتجاج صاحبته موجة من الإبداع الفني، حيث تنتشر اللوحات التي يتم تجديدها كل يوم، والأغاني تزدهر والرسوم على الجدران تمجد الثورة وأبطالها والرسوم الكاريكاتيرية تكشف مساوئ النظام القديم.
وفي ختام مقاله، تساءل المراسل لماذا لا يكتسح الجنود الاعتصام ويكسرونه كالقشة؟ ليرد بأن "القيادة أصبحت مؤسسة ورمزا بالنسبة للفاعلين في المرحلة الانتقالية بمن فيهم الجيش نفسه، وبالتالي يأمل كل طرف الاستفادة من هالتها".
ونبه إلى أن العملية الديمقراطية -بالنسبة للجميع- لديها القوة السحرية لإضفاء الشرعية على السلطة المستقبلية الناتجة عن هذه المرحلة الانتقالية إذا انتهى كل شيء على ما يرام، وعليه فإن الاعتصام هو واجهة السودان الجديد الذي سيشهد أخيرًا نهاية العقوبات والعودة إلى الحياة الطبيعية.
أما الجيش -يختم المراسل- فلن يقول شيئا يختلف عما يقوله الآخرون، وإن كان أقسى رجالاته يحلمون باتباع طريق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لاستعادة الدولة الاستبدادية بعيدا عن أحلام أولئك الذين يشكلون روح الاعتصام.
المصدر : لوموند