فلسطيني يرفض "شيكا مفتوحا" لبيع أرض ومنزل يحاصرهما جدار الاحتلال

فادي العصا-بيت لحم

يصل الطالب بالثانوية العامة حكم حجاجلة إلى منزله متعبا بعد تقديم امتحان نهاية العام، ماشيا مدة تزيد على ساعة ونصف الساعة، تحت أشعة الشمس الحارقة، عَطِشا وهو في أواخر أيام شهر رمضان الفضيل، ينتظر عند البوابة لتُفتح له.

ليست بوابة منزله، وإنما البوابة الحديدية المقامة على الجدار السلكي الذكي -كما يسميه الاحتلال الإسرائيلي- المحيط بمنزله وعشرات الدونمات من أراضي الفلسطينيين في قرية الولجة المعزولة أصلا، إلى الغرب من بيت لحم جنوب الضفة الغربية المحتلة.

عمر حجاجلة يقف أمام منزله وينظر إلى المركبة العسكرية التي وصلت لحظة عمل الجزيرة نت للقاء الصحفي (الجزيرة)

نكبة ثانية
ينتظر عمر عيسى حجاجلة نجله حكم عند الجهة المقابلة، يضغط على آلة تحكم صغيرة، سلمها له الاحتلال الإسرائيلي ليفتح بوابة مقامة في نفق أسفل الأسلاك الشائكة، وهي أحد أشكال الجدار الفصل العنصري الذي تبنيه "إسرائيل" حول الضفة والقدس وتعزل الفلسطينيين داخله.

رفض عمر إغراءات الاحتلال الكثيرة لبيع أرضه ومنزله المعزولين تماما بسبب الجدار أو تأجيرهما بـ "شيك مفتوح" (على بياض) عرض عليه.

كانت عائلة عمر نزحت عام 1948 من الجبل المقابل الذي سماه الولجة القديمة، التي أصبحت اليوم امتددا جغرافيا للقدس الغربية المحتلة، وتم الانتقال إلى الجبل المقابل فما تسمى اليوم بالولجة الجديدة، على أمل أن يبقى سكانها قريبين من أرضهم من أجل العودة إليها، لكن هذا لم يحصل حتى الآن.

يعتبر حجاجلة ما حصل عام 1948 النكبة الأولى، أما الثانية فبدأت قبل حوالي عشر سنوات، عندما بدأ الاحتلال ببناء جدار وأسلاك شائكة، عزلت القرية عن محيطها أولا، ومن ثم عزلت منزله والأرض المحيطة حولها عن القرية.

عمر حجاجلة يتجه نحو البوابة الحديدية الإلكترونية المقامة في نفق أسفل السلك الشائك لفتحها عن طريق آلة إلكترونية صغيرة من أجل الوصول لمنزله (الجزيرة)

بوابة أسفل النفق
وتبع ذلك وضع بوابة حديدية في نفق أسفل السلك الشائك، وسلمه آلة إلكترونية لفتحه حتى يصل إلى أرضه ومنزله، ولكنه مؤخرا قام بوضع قفل على البوابة ليُعزل هو وأطفاله الثلاثة وزوجته خلف الجدار السلكي، ويضطرون للسير مسافة طويلة بين أحراش دير "كريمزان" من مدينة بيت جالا القريبة، وصولا لمنزله.

يقول نجله أنس (14 عاما) للجزيرة نت إن الإغلاق حول منزلهم يُصعّب عليه الوصول إلى مدرسته، التي كان يصلها في مدة نصف ساعة، ويضطر الآن للمشي قرابة ساعتين يوميا للوصول إليها، وسط مضايقات الجنود المستمرة منذ عام 2010 وحتى اليوم، معتبرا أن معظم حياته محصورة في هذا العزل.

لم نستطع الدخول مع عمر وعائلته إلى منزله خلف البوابة ببضعة أمتار لأنها مراقبة بالكاميرات، وهو يعاقب على ذلك، واضطررنا لسلوك طريق آخر يمتد لثمانية كيلومترات حتى دخلنا المنطقة التي يسكنها.

لكن سرعان ما تبعتنا مركبة عسكرية إسرائيلية، تراقب ما الذي نقوم به، ومَن نحن، يترجل جنديان منها، ويخاطبان عمر بالعبرية أنهما سيقومان بإعادة صيانة هاتف داخلي بين البوابة الإلكترونية، والحاجز الشمالي لبيت لحم، من أجل "التنسيق الأمني" لأي أحد سيزوره في منزله، لأنه تبين وجود خلل فني فيها.

مركبة عمر تمر من البوابة الحديدية الإلكترونية في النفق الموصل إلى منزله (الجزيرة)

شيك مفتوح للبيع
تحدث عمر حجاجلة للجزيرة نت عن مجموعة من عروض الاحتلال ليترك منزله، منها بيع الأرض والمنزل بمبلغ مفتوح يقوم بتحديده، أو حصوله على أرض جديدة بدلا من أرضه في منطقة غير معزولة، أو بإقامة استثمار ما يكون شريكا مع الاحتلال فيه، أو تأجير منزله وأرضه المحيطة المقدرة بـ32 دونما لـ99 عاما، وهو أيضا يحدد المبلغ الذي يريده.

تخرج ابتسامة من ثنايا وجه عمر المتعب، بعد الحديث عن هذه العروض، ويمسح وجهه بيده، قائلا إن ما يصبره هو انتماؤه لفلسطين الوطن والأرض، وليفوّت الفرصة على الاحتلال الإسرائيلي الذي يريد أرضا دون سكان (شعب).

مركبة عسكرية بجانب السياج وفوق النفق لحظة وصول مراسل الجزيرة نت إلى المكان (الجزيرة)

حرب على لقمة العيش
عَزل الاحتلال عمر وضيّق عليه وعائلته مؤخرا ثمانية أيام متواصلة بعدم فتح البوابة، وتعطيل آلة التحكم بها (ريموت كونترول)، وتبع ذلك سحب تصريح العمل الخاص به الذي كان يملكه لأكثر من 20 عاما، ليحاربه في لقمة عيشه.

يلتفت إلى منزله واصفا حياة أطفاله الثلاثة بأنها معزولة تماما عن العالم الخارجي، فلا أصدقاء أو أقارب، مستنكرا ما يزعمه العالم من حقوق الإنسان.

فقوى القطب الواحد والاستعمار العالمي -حسب عمر- لم تبقِ أي حقوق لإنسان، فالشعب الفلسطيني يُنتهك يوميا بالقتل والتشريد والعزل، ولا أحد يضع ذلك في ميزان حقوق الإنسان التي يتغنى بها العالم.

المصدر : الجزيرة