إندونيسيا.. كيف تخلصت من صفة الدولة الأكثر فسادا؟

بلانك: أسوأ المجرمين يعدون من بين أقوى الشخصيات وأكثرها تأثيرا داخل المجتمعات التي تعاني من الفساد (رويترز)
بلانك: أسوأ المجرمين يعدون من بين أقوى الشخصيات وأكثرها تأثيرا داخل المجتمعات التي تعاني من الفساد (رويترز)

يقول الكاتب جوناه بلانك في مقال نشرته مجلة ذي أتلانتك الأميركية إن من المرجح أن قرار إندونيسيا إنشاء هيئة مستقلة للتحقيق مع السياسيين المتورطين في جرائم فساد ومقاضاتهم، قد أتى أكله بالفعل.

ويضيف أن الفساد السياسي يعتبر واقعا يوميا في العديد من البلدان، وظاهرة يصعب السيطرة عليها في بعض الأحيان. ويقول إن أسوأ المجرمين يعدون من بين أقوى الشخصيات وأكثرها تأثيرا داخل المجتمعات التي تعاني من الفساد.

ويوضح أن العديد من ضباط الشرطة والمدعين العامين والقضاة يدينون بوظائفهم إلى هذه الشخصيات، مما يجعل ظاهرة الفساد السياسي مسألة شائكة حتى بالنسبة للبلدان التي تتركز فيها المؤسسات العامة المتطورة.

ويشير الكاتب إلى أن الفساد كان متفشيا في إندونيسيا على مدى عقود، وأنه وفقا للتصنيف الأولي لمنظمة الشفافية الدولية لعام 1995 بشأن مظاهر الفساد في الدول، فقد كانت إندونيسيا الدولة الأكثر فسادا. أما في العام الماضي، فاحتلت المرتبة 89 من أصل 180 دولة، وهي المرة الأولى التي تظهر فيها في النصف الأقل فسادا من القائمة.


الفساد كان متفشيا في إندونيسيا على مدى عقود (رويترز)

الأكثر فسادا
ويضيف الكاتب أن الرئيس الإندونيسي السابق سوهارتو ترك إرثًا من الفساد شمل جميع أطياف المجتمع، وذلك إثر تنحيه عن السلطة في 1998. ويقول بلانك إن التقديرات تشير إلى أن سوهارتو سرق حوالي 35 مليار دولار خلال الثلاثة عقود التي قضاها في السلطة لينال بذلك لقب أكثر زعماء العالم فسادا.

ويشير إلى أن الوزراء نسجوا على منواله، وذلك من خلال توزيع أموال المشاريع على أعضاء شرطة المرور الذين يتسلمون الرشاوى في زوايا الشوارع، وأنه نادرا ما فتحت الشرطة تحقيقا حتى في أكثر حالات الكسب غير المشروع وضوحا.

ويوضح الكاتب أن إندونيسيا قررت في 2002 إنشاء لجنة للقضاء على الفساد لتعمل بالتوازي مع الشرطة ومكتب المدعي العام، وأنه تم تكليف هذه الهيئة الجديدة بمهمة التحقيق مع أي موظف عام وملاحقته قضائيا إذا ثبت تورطه في أي نوع من أنواع الفساد.

ويشير إلى أن مهمة مقاضاة المتورطين في الفساد تقع على عاتق أشخاص على غرار المدعي العام بإحدى المناطق التابعة لمقاطعة جاوة الوسطى فرديان نوغروهو، الذي يشعر بالملل من ملاحقة صغار المحتالين ويتوق إلى خوض تحد أكبر.

ويضيف الكاتب أن نوغروهو تمكن -بعد مرور أعوام عدة على انضمامه إلى لجنة القضاء على الفساد- من الإطاحة برمز من رموز الفساد يدعى فؤاد أمين إمرون الذي يشغل منصب الوصي في جزيرة مادورا، التي عرفت عمليات اختلاس تجاوزت قيمتها 42 مليون دولار.

ويقول الكاتب إنه بالنسبة لمنظمة مكلفة بمكافحة الفساد في بلد يعرف بتفشي هذه الظاهرة، فإن لجنة القضاء على الفساد لم تف دائما بالتزامها، ففي 2010 تم الحكم على رئيسها بالسجن لمدة 18 عاما بسبب إصداره أمرا بقتل أحد زملائه في مجال الأعمال، الذي كان يبتزه بسبب إقامته علاقة غرامية خارج إطار الزواج.

وعودة إلى تصنيفات منظمة الشفافية الدولية، يشير الكاتب إلى أن الولايات المتحدة تحتل المرتبة 22 فقط في مؤشرها.

ويقول إن من الواضح أن الولايات المتحدة لا تقارن بإندونيسيا فيما يتعلق بحالات الفساد، غير أن هذه الحقيقة لا تعد سببا كافيا حتى ترضى الإدارة الأميركية عن نفسها.

ويضيف أنه إذا حدثت المصالحة مع الفساد السياسي، فإنه سرعان ما تصبح هذه الظاهرة أمرا طبيعيا.

ويقول إن لجنة القضاء على الفساد في إندونيسيا لا تعد مثالا يحتذى به فيما يتعلق بمبدأ الاستقامة، خاصة في ظل تنصتها على المكالمات الهاتفية دون الحصول على إذن قضائي، ووسط توظيفها للمجرمين المدانين، حتى وإن قدمت دليلا حيا على التدابير المتاحة التي من شأنها المساعدة على مواجهة "السياسة القذرة".

المصدر : الجزيرة,أتلانتك