رؤساء مؤقتون.. سياسيون "فوجئوا" بكرسي الحكم بعد الربيع العربي

من اليمن لليسار: عبد القادر بن صالح وفؤاد المبزع ومصطفى عبد الجليل وعدلي منصور (الجزيرة/الأوروبية)
من اليمن لليسار: عبد القادر بن صالح وفؤاد المبزع ومصطفى عبد الجليل وعدلي منصور (الجزيرة/الأوروبية)

بينهم الكثير من القواسم المشتركة، لكن أبرزها أنهم رجال كانوا في الظل لعقود طويلة، ثم وجدوا أنفسهم فجأة رؤساء مؤقتين لدولهم، عبرت عليهم -أو ما تزال تحاول أن تعبر- من مرحلة من تاريخها إلى مرحلة أخرى.

ورغم أنهم عملوا في مؤسسات رسمية لبلدانهم وتقلدوا مناصب سياسية، فإنها كانت مناصب غير مؤثرة ولم يكن لها في الغالب إشعاع كبير أو صلاحيات قوية يمكن أن تجلب إليهم الاهتمام.

وكان للأحداث التي شهدها العالم العربي عقب ما عرف بالربيع العربي الفضل الكبير في أن يتعرف إليهم الرأي العام المحلي والعالمي، لأن أمواج هذه الأحداث حملتهم بسرعة وبغير سابق إنذار إلى كراسي المسؤولية.

فؤاد المبزع.. لم نكن نعلم شيئا
فؤاد المبزع، الرجل الذي خلف الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي ذات ليلة من ليالي يناير/كانون الثاني 2011، قال هو نفسه في أكثر من حوار صحفي إنه لم يعلم بهروب بن علي إلا والأخير في الطائرة، على الرغم من أنه كان على الورق الرجل الثاني في الدولة بحكم أنه كان رئيسا للغرفة الثانية في البرلمان التونسي.

بل إنه في محاضرة ألقاها أمام طلاب الجامعة الأوروبية بتونس في ديسمبر/كانون الأول 2017، يوضح هذا الموقف أكثر ويقول "يظن كثيرون أننا كنا نعلم كل شيء، لا، لم نكن نعلم أي شيء".

ويضيف "بن علي كان يحكم وكأنه نظام عسكري، وكانت كل وزارة وكأنها وحدة عسكرية لا تتواصل إلا مع بن علي ولا تتواصل مع الوزارات الأخرى إلا عبره".

وعلى الرغم من أن التاريخ السياسي للرجل -الذي ولد في 13 يونيو/حزيران 1933 في تونس العاصمة- حافل بالمناصب السياسية داخل البلاد وخارجها في عهد الرئيس الحبيب بورقيبة أو خلفه بن علي، فإن ذلك لم ينعكس على سمعته وصورته السياسية، ولم يكن معروفا كثيرا، أو على الأقل لم يكن معروفا مثل كثير من السياسيين التونسيين.

فقد درس القانون والاقتصاد في العاصمة الفرنسية باريس، وشغل منصب مدير للأمن الوطني، وكان رئيسا لبلدية تونس وكذا بلدية قرطاج، ووزيرا للشباب والرياضة ووزيرا للصحة ووزيرا للثقافة والإعلام، كما عين مندوبا لتونس لدى الأمم المتحدة وسفيرا في المغرب.

أما البرلمان، فيعد المبزع -الذي ينحدر من أسرة بورجوازية- من أكثر السياسيين التونسيين الذين ألفتهم مقاعده وألفوها، فقد تقلد مهمة نائب برلماني لمدة قاربت خمسة عقود (من 1964 إلى 2011)، أمضى 14 عاما منها (1997 إلى 2011) رئيسا للبرلمان، ومنه عبر لكرسي الرئاسة بعد أن فر بن علي من ثورة الياسمين يوم 14 يناير/كانون الثاني 2011.

وبحسب صحيفة لوموند الفرنسية، فقد غضب عليه بن علي مرتين: الأولى بسبب كلمات قالتها زوجة المبزع خلال استقبال رئاسي ولم ترق لبن علي، والثانية عندما علق المبزع وهو رئيس لبلدية قرطاج صورة كبيرة لبن علي أغضبت هذا الأخير ولم يعرف سبب غضبه، وكلفه هذا الحدث رئاسة البلدية ورئاسة البرلمان، ولم يرجع رئيسا للبرلمان إلا بعد رسالة اعتذار.

وصفته إحدى برقيات ويكيليكس التي تسربت من الخارجية الأميركية في عام 2010، بأنه "سبعيني من دون طموح"، و"مقرب من بن علي ولا يشكل أي خطر عليه"، كما وصفه وزير سابق قاسمه مقاعد الحكومة بأنه رجل "يعيش ملذات الحياة" و"ضيف دائم على مهرجان كان للسينما"، الذي تحتضنه كل سنة مدينة كان الفرنسية.

مصطفى عبد الجليل.. دخل بنغازي وزيرا وخرج منها ثائرا
لما اندلعت الثورة الليبية ضد نظام العقيد معمر القذافي في 17 فبراير/شباط 2011، لم يجد أنسب من وزير العدل آنذاك مصطفى عبد الجليل ليرسله إلى مدينة بنغازي لعله يخمد غضب الجماهير المطالبة برأس القذافي ورموز نظامه، لكن بمجرد أن عاين مدى القسوة والدموية التي واجهت بها كتائب القذافي الشباب الثائرين هناك، قدّم الوزير استقالته وأعلن انضمامه للثورة.

إعلانٌ رفع مصطفى عبد الجليل إلى واجهة الأحداث، وما هي إلا أيام حتى تم انتخابه رئيسا للمجلس الوطني الانتقالي الليبي، فقد كان القذافي يريد استثمار كون الرجل من أبناء شرق ليبيا ومواليد مدينة البيضاء (سنة 1952) ليطفئ به جذوة الغضب ضد نظامه، لكن هذه الميزة انقلبت على القذافي واعتبرها الثوار مكسبا يدفع بالرجل إلى الصفوف الأمامية للثورة.

درس مصطفى عبد الجليل القانون في الجامعة بمدينة بنغازي، وبعد التخرج عمل قاضيا في محاكم الشرق الليبي، ولم يتعد صيته في تلك الفترة بضعة أحكام تحدى فيها نظام القذافي ومؤسساته وقراراته، مما أكسبه احترام الكثير من الليبيين، إضافة إلى كون أسرته كانت على علاقة بعائلة الملك السنوسي ولم تبارك انقلاب القذافي عليه في 1969.

سمعة حاول القذافي آنذاك استثمارها فعرض عليه وزارة العدل، وهو قرار ظل عبد الجليل يقلب النظر فيه ويحجم عنه ويعتذر إلى أن نجح بعض الأعيان والمسؤولين في إقناعه بقبوله، وهو منصب حكى هو نفسه في كثير من المقابلات الصحفية أنه كان مرهقا له، وقدم استقالته منه أكثر من مرة ورفضت، وتعرض لمحاولتي اغتيال.

كان هو الآخر موضوع مذكرة دبلوماسية تسربت مع وثائق ويكيليكس، وصفته بأنه "يحظى باحترام كبير بين موظفي وزارة العدل الذين يصفونه بأنه نزيه".

الحماسة التي تسلم بها عبد الجليل رئاسة المجلس الوطني الانتقالي يوم 5 مارس/آذار 2011، زادها وهجا بعد شهور مقتل القذافي وسيطرة الثوار على طرابلس، التي ألقى منها عبد الجليل ما عرف بـ"خطاب التحرير"، وأعلن فيه إلغاء قانون الزواج الذي يحد من تعدد الزوجات، كما أعلن نيته تغيير القوانين المصرفية وفتح الباب أمام إنشاء مصارف إسلامية تنافس البنوك التقليدية الربوية.

هذا الخطاب سيجر على عبد الجليل فيما بعد انتقادات كثيرة، أبرزها اتهامه بأن الإسلاميين أدخلوه تحت عباءتهم وأصبح أداة ينفذون بها برامجهم، كما أن آخرين اتهموه فيما بعد بأنه لم ينسلخ كليا من جلد نظام القذافي، وذلك على الرغم من أن الرجل صرح في إحدى مقابلاته الصحفية أنه لم يلتق القذافي مطلقا على انفراد، ولم يخاطبه أبدا بالقائد ولم يصفق له قط.

التحديات الكبيرة التي واجهت مصطفى عبد الجليل في رئاسة المجلس الوطني الانتقالي تعاظمت بعد حادث اغتيال وزير داخلية القذافي اللواء عبد الفتاح يونس العبيدي في 28 يوليو/تموز 2012، والذي كان قد انشق في بدايات الثورة وانضم لمناصريها وقاد لفترة معارك الثوار ضد كتائب القذافي.

اغتيال يونس كانت وراءه مجموعة قيل إنها "إسلامية"، وهو ما زاد من متاعب عبد الجليل، إضافة إلى مواقف وخلافات أخرى فيما بعد مع الإسلاميين، دفعته إلى التصريح في وقت لاحق بأنهم "خدعوه" بعدما وثق فيهم، وبأنهم "ناكثو عهود، تهمهم مصلحة جماعتهم أكثر من مصلحة الوطن"، وهو الموقف الذي يرى فيه بعض خصومه من الإسلاميين أن الإمارات العربية المتحدة كافأته عليه باختياره للعمل مفتشا قضائيا لديها في العام 2015.

وبصعوبة بالغة أوصل عبد الجليل ومجلسه الوطني الانتقالي ليبيا إلى مرحلة تسليم السلطة لهيئة منتخبة (المؤتمر الوطني العام)، وذلك في بداية أغسطس/آب 2012، لكن ليبيا دخلت بعد ذلك في دوامة من العنف والفوضى لا تزال تعاني منها إلى الآن، وهو الوضع الذي وصفه عبد الجليل في أحد حواراته الصحفية بأنه "خلاف سياسي منشؤه إقليمي وليس داخليا".

هذا التدخل الخارجي في ليبيا يؤكد عبد الجليل أنه ليس جديدا، ويقول إنه يوم كان رئيسا للمجلس الوطني الانتقالي التقت به سرا ثلاث دول وسألته إن كان يريد الاستمرار في السلطة، وتابع "فكان جوابي لا، ولو أجبت بالإيجاب لكان تم دعمي".

كما نقل عنه قوله -في معرض الحديث عن إمكانية المصالحة في بلاده- إن "مانديلا واحدا لا يكفي ليبيا، ولا حتى عشرة"، في إشارة إلى حجم المشاكل المعقدة التي تعانيها البلاد.

عدلي منصور.. أدى قسمين في دقائق
الظروف التي جاء فيها عدلي منصور لرئاسة مصر بشكل انتقالي مختلفة عن تلك التي أتت بالمبزع أو عبد الجليل، فهما توليا هذه المسؤولية بعد ثورات شعبية أطاحت بالنظام، أما هو فقد جاء بعد انقلاب عسكري "ارتدى ثوب ثورة"، وكثير من منتقدي عدلي منصور يرون أنه "أتي به للحكم" كي يخفف صدمة الانقلاب على محمد مرسي أول رئيس مدني منتخب في مصر.

ومن السخرية أن مرسي هو من عين منصور -المولود في 23 ديسمبر/كانون الأول 1945 لأسرة ريفية صعيدية- رئيسا للمحكمة الدستورية العليا في 10 يونيو/حزيران 2013، وصدقت على هذا التعيين الجمعية العامة للمحكمة نفسها في 19 من الشهر نفسه، وجاء بعدها بأيام فقط الانقلاب الذي قاده وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي ليحمل منصور إلى منصب "الرئيس الانتقالي".

الفترة القصيرة التي فصلت بين الحدثين جعلت عدلي منصور يؤدي قسمين في دقائق معدودات، فلاستكمال "التربع" على قيادة المحكمة الدستورية كان لا بد من أن يؤدي القسم، وبعده مباشرة كان لا بد أن يؤدي قسم تنصيبه رئيسا انتقاليا، فوجد نفسه فجأة قد "تجمعت بين يديه" ثلاث سلطات: القضائية بصفته رئيسا للمحكمة الدستورية العليا، والتنفيذية بصفته رئيسا انتقاليا للبلاد، والتشريعية لأن البرلمان تم حله.

منتقدوه يعتبرون أنه كان مجرد "دمية" و"واجهة للعسكر" زين بها للمصريين الاستيلاء على السلطة، واعتبروا أنه لم يكن "يهش ولا ينش" إلا بأمر من عبد الفتاح السيسي، الذي سرعان ما نزع بذلته العسكرية وترشح للانتخابات الرئاسية وأخذ مكان عدلي منصور و"كافأه" في 2014 بتوشيحه قلادة النيل العظمى، ومنحه في 28 يونيو/حزيران 2016 وسام الجمهورية من الدرجة الأولى مع عدد من رؤساء الهيئات القضائية بمناسبة تقاعدهم.

لم يكن لعدلي منصور من تجربة ومسار سياسي غير كونه خريجا من شعبة القانون في جامعة القاهرة وبعدها في إحدى الجامعات الفرنسية، ثم عمل بإدارة الفتوى والتشريع بعدة وزارات في السبعينيات من القرن الماضي، وتمت إعارته للمملكة العربية السعودية مستشارا قانونيا لوزارة التجارة في حكومتها.

كثير من القرارات التي اتخذها عدلي منصور وهو رئيس انتقالي جرّت عليه انتقادات لاذعة، فقد رقى السيسي من فريق أول إلى رتبة مشير، وفي عهده قررت حكومة حازم الببلاوي مصادرة مقرات جماعة الإخوان المسلمين وأملاكها، وصدر حكم باعتبارها "جماعة إرهابية".

كما أصدر العديد من التشريعات التي اعتبرها خصومه مقيدة للحريات، مثل قانون التظاهر الذي صدر في نوفمبر/تشرين الثاني 2013، وقانون مجلس النواب وقانون مباشرة الحقوق السياسية، وهي تشريعات قضت المحكمة الدستورية العليا بوجود مواد غير دستورية فيها، وتم إدخال تعديلات عليها.

عبد القادر بنصالح.. "باء" تطالب الثورة برحيلها
على الرغم من أن عبد القادر بن صالح -المولود يوم 24 نوفمبر/تشرين الثاني 1941 في بني مسهل (بلدية المهراز) بولاية تلمسان غربي الجزائر- كان من المتوقع لسنوات أن يكون رئيسا انتقاليا للبلاد، خصوصا بعد إصابة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة بجلطة دماغية في أواخر أبريل/نيسان 2013، إلا أن ما لم يكن متوقعا هو أن تأتي به إلى هذا المنصب أمواج ثورة شعبية أرغمت بوتفليقة على الاستقالة، ولا تزال تطالب برحيل رموز نظامه وبينهم بنصالح نفسه.

كما لم يكن يتوقع بن صالح أيضا أن يتحول الحرف الأول من اسمه وأسماء مسؤولين جزائريين آخرين (حرف الباء) إلى أحد أبرز شعارات الثورة الجزائرية الحالية التي تطالب برحيل "الباءات الثلاثة"، ويقصد بها عبد القادر بن صالح رئيس البرلمان الذي أصبح رئيسا انتقاليا بعد استقالة بوتفليقة، ورئيس المجلس الدستوري الطيب بلعيز الذي قدم استقالته يوم 16 أبريل/نيسان الماضي، ونور الدين بدوي رئيس الحكومة المؤقتة الذي عينه بوتفليقة نهاية مارس/آذار الماضي بعد تصاعد الاحتجاجات ضد نظامه.

ظل بن صالح دائما رجل الظل الذي لا يرى فيه خصومه ومنتقدوه غير "قطعة من القطع التي تزين جدار النظام الجزائري"، والتي "لا تقدم ولا تؤخر شيئا إلا بإذن وضوء أخضر"، ويعتبرون أنه من الذين "استنجد بهم النظام لتزيين واجهته" في كثير من المناسبات.

ففي فترة التسعينيات التي شهدت أحداثا دامية بعد تدخل الجيش وإلغائه نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت عام 1992 وفازت بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ودخلت بعدها الجزائر في ما عرف بـ"العشرية السوداء"؛ قرر النظام تأسيس حزب سياسي بديل للحزب التاريخي جبهة التحرير الوطني، ضمن خطة لتجديد الواجهة السياسية للبلاد ودعمها بالعناصر الشابة، فاُعلِن في 1997 ميلاد حزب "التجمع الوطني الديمقراطي" الذي كان عبد القادر بن صالح أحد مؤسسيه.

وبعد اندلاع ثورات الربيع العربي، التي لم يتعد "نصيب" الجزائر منها آنذاك ما عرف بـ"انتفاضة الزيت والسكر" في يناير/كانون الثاني 2011؛ نظمت السلطة سلسلة مشاورات واسعة مع أحزاب ومنظمات وشخصيات وطنية لإطلاق إصلاحات أهمها تعديل الدستور، فنودي على بن صالح ليترأس الهيئة التي شكلتها السلطة لإدارة الحوار.

وعلى الرغم من أن بن صالح -الذي تخرج في جامعة دمشق بسوريا وحصل منها على شهادة بكالوريوس في الحقوق وبدأ حياته المهنية صحفيا في جريدة "الشعب" الحكومية عام 1967، وأصبح مديرا عاما لها ما بين 1974 و1977- تولى مناصب كثيرة خارج الجزائر وداخلها، فإنها في مجملها "مناصب ظل".

فقد كان نائبا في البرلمان عن ولايته تلمسان لثلاث دورات متتالية ابتداء من سنة 1977، وعُين عام 1989 سفيرا للجزائر في السعودية وممثلا دائما لدى منظمة التعاون الإسلامي بجدة، ثم أصبح ناطقا باسم الخارجية الجزائرية عام 1993، قبل أن يصبح منذ عام 2002 رئيسا لمجلس الأمة، وبقي في منصبه هذا إلى أن حمله قبل أسابيع إلى منصب الرئيس المؤقت.

التحق سنة 1959 بصفوف جيش التحرير الوطني انطلاقا من المغرب، ويثور جدل في الجزائر الآن حول تاريخ عائلة بن صالح التي يرى كثيرون أن أصلها مغربي، وأن عبد القادر بن صالح لم يُمنَح الجنسية الجزائرية إلا عام 1965، وإلى الآن لا تزال تلاحقه "تهمة المروكي" (المغربي) ويطالب الحراك الجزائري برحيله.

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية