الأردن ومؤتمر البحرين.. ضغوط على وقع لاءات الملك الثلاث

هديل الروابدة-عمان

يصل جاريد كوشنر مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأربعاء للعاصمة الأردنية عمّان، على وقع احتجاجات شعبية باتت تتنامى في المملكة رفضا لخطة السلام الأميركية المعروفة "بصفقة القرن"، ومؤتمر البحرين المخصص لبحث الجانب الاقتصادي للصفقة الذي سيلتئم نهاية يونيو/حزيران المقبل.

ويقرأ سياسيون ومحللون أن هدف الزيارة وما سبقها من اتصالات أميركية مع عمان هو حث الأردن على المشاركة في فعاليات المؤتمر، على وقع ارتفاع حرارة الرفض الشعبي للتوجهات الأميركية ورفض مشاركة الأردن في أي من مساراتها، لا سيما بعد إعلان العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني قبل أسابيع لاءاته الثلاث المتعلقة بالتوطين والوطن البديل والقدس.

قوات الأمن منعت اعتصاما أمام السفارة الأميركية رفضا لزيارة كوشنر ومؤتمر البحرين (الجزيرة)

احتجاج وتحشيد
وقبل ساعات من وصول كوشنر، احتشد العشرات من أنصار جماعة الإخوان المسلمين في محيط السفارة الأميركية في عمان رفضا لزيارة كوشنر، ونجح المحتجون -رغم منع قوات الأمن الاعتصام- في رفع شعارات من بينها "عد إلى بلادك يا كوشنر.. الأردن ليس للبيع والشراء"، و"لا لصفقة القرن".

وتوسعت رقعة التحشيد للاحتجاجات الرافضة لأي مشاركة أردنية في خطة السلام الأميركية ومؤتمر البحرين معا، فأصدر ائتلاف الأحزاب القومية واليسارية بيانا يدعو فيه إلى اعتبار يوم الجمعة 24/6/2019 يوم غضب شعبي عربي في كل العواصم والمدن العربية لمواجهة ما يتم الترتيب له من قبل الإدارة الأميركية لفرض ما تسمى صفقة القرن ومؤتمر المنامة، وفقا للبيان.

تحفظ حكومي
وبينما تتحفظ الحكومة الأردنية على إعلان موقفها الرسمي تجاه المشاركة في مؤتمر البحرين حتى اللحظة، خصّ مصدر -وُصِف بأنه مطلع- موقعا إلكترونيا قريبا من مؤسسة صنع القرار بمعلومات تقول "إذا قرر الأردن المشاركة في الورشة، فإنه سيتحدث بموقفه، وبما يتعلق بالقضية الفلسطينية في ظل غياب الفلسطينيين؛ فالأردن لا يترك ساحة فارغة لأي طرف أن يلعب في أوراق القضية الفلسطينية الأساسية والمركزية".

وحاولت الجزيرة نت الحصول على موقف رسمي من الناطق باسم الحكومة الأردنية جمانة غنيمات، لكنه لم يرد على أسئلة الجزيرة نت المتعلقة بالموقف الأردني من المشاركة بالمؤتمر، في حين أكد الناطق الإعلامي لوزارة الخارجية سفيان القضاة أن الإجابة من اختصاص غنيمات.

في المقابل، يرى مراقبون ومحللون سياسيون أن سيناريوهات مشاركة الأردن بالمؤتمر بدأت تتضح على وقع ما يصفونه بضغوط تمارس عليه داخليا وخارجيا.

سيناريوهات
ويحصر مراقبون ومحللون خيارات الأردن للتعامل مع ما يصفونه "بالمنعطف" التاريخي في ثلاثة سيناريوهات: أولها المشاركة في المؤتمر بتمثيل كامل وتسويق ذلك بأنه يحمل هوية اقتصادية لا علاقة لها بالمسار السياسي لصفقة القرن.

بيد أن هذا السيناريو سيحمّل الأردن تهم "الخيانة والتفريط" بالقضية الفلسطينية مستقبلا، بحسب وصف وزير الإعلام الأسبق والمحلل السياسي طاهر العدوان للجزيرة نت.

وحسب رأي العدوان، فإن السير تجاه صفقة القرن بشقيها السياسي والاقتصادي "خطأ فادح"، وقال "على الدولة أن تحسب خطواتها جيدا حتى لا تبتعد عن المسار الفلسطيني، فإذا شارك الفلسطينيون يشارك الأردنيون بعدهم مضطرين، "لأن القضايا الوطنية والقومية لا تعامل بمعيار الفواتير؛ فالأوطان لا تباع ولا تعوَّض"، وفقا لتعبيره.

وتابع العدوان إن الدول العربية التي كانت ولا زالت غير معنية بمستقبل القضية الفلسطينية لن تكون مهتمة بمستقبل الدولة الأردنية ومصالحها، بعد أن تفتك بها "صفقة القرن، كما قال.

مشاركة محدودة
أما السيناريو الثاني -الذي رجّحت كفته معظم التحليلات المتداولة مؤخرا- فيتمثل في مشاركة الأردن "بتمثيل صغير" على مستوى وزير أو أقل.

ويرى مراقبون تحدثوا للجزيرة نت أن هذا السيناريو بدأت الدولة التمهيد له فعلا من خلال ما وصفوه "بماكينة إعلامية" يقولون إنها انشغلت بالحديث مؤخرا عن تبعات غياب عمان عن طاولة المنامة عبر مقالات في الصحف اليومية انقسم كتّابها بين مؤيد، ومبرر، ورافض للمشاركة في المؤتمر.

المعتصمون أمام السفارة الأميركية بعمان رفعوا شعارات ترفض زيارة كوشنر ومؤتمر البحرين (الجزيرة)

خطة ترميم
وفي هذا السياق، يرى الكاتب والمحلل السياسي عمر عياصرة أن ازدحام المقالات ذات التحليلات المتباينة في تأييدها ورفضها جاء للإيحاء بأن تباين آراء الكتّاب ما هو إلا انعكاس لانقسام آراء الأردنيين بين مؤيد ورافض، على أرض الواقع، وبالتالي قبول المشاركة كخيار مشروع، وفقا لتعبيره للجزيرة نت.

ومن جهة أخرى، يعتقد العياصرة أن الدولة ومرجعياتها لا ترغب في المشاركة في قمة المنامة، إذ إنها تتناقض مع موقف الملك و"لاءاته الثلاث"، وتعرضه للإحراج أمام المجتمعين الأردني والدولي.

وأضاف "إذا قرر الأردن المشاركة فإن الملك سيحتاج لترميم وإعادة إنتاج اللاءات الثلاث التي ربما تُفقِدها المشاركة وهجها" -بحسب تعبيره- وترافقها خطة إعلامية محكمة تسير باتجاهين: أحدهما للشعب الأردني، والآخر للفلسطينيين لإفهامهم مبررات المشاركة دون إحباطهم، بحسب وصفه.

واتفق العياصرة في رأيه مع العدوان في اعتبار أن أي "فاتورة" سيدفعها الأردن ثمن رفضه المشاركة ستكون أقل ضررا من "مكاسب" المشاركة مهما بلغت.

إلغاء أو تأجيل
أما السيناريو الثالث فيأتي مع تكهنات سياسية بعمان تتحدث عن احتمال إلغاء أو تأجيل مؤتمر المنامة الذي حمل شعار "من السلام إلى الازدهار"، على وقع الرفض الفلسطيني الرسمي للمشاركة باعتباره شريكا رئيسيا على طاولة الحوار، وغيابه يمثل "ضربة" لفرص نجاحها، وتحقيق أهدافها، بحسب مراقبين.

وفي هذا السياق، يرى مدير مركز القدس للدراسات السياسية عريب رنتاوي أن سيناريو فشل المؤتمر يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار، "خاصة أن معظم الأطراف العربية والأوروبية إما قاطعت أو أنها لم تعلن بعد نيتها بشأن المشاركة رسميا"، مشيرا إلى أن الحضور يقتصر على ثلاث دول فقط حتى اللحظة.

وتابع للجزيرة نت "ربما يكون التريث الحكومي، والتحفظ على إعلان الموقف الرسمي من المشاركة عائد لوجود هذا السيناريو بقوة، وعندئذ لن يضطر لاتخاذ أي موقف".

ويرجح الرنتاوي مشاركة الأردن بوفد وزاري مختص مزود بموقف سياسي يؤكد الثوابت الأردنية التي لا تعترف إلا بقيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس، وحق العودة، في حال لم يلغ المؤتمر أو يتأجل.

في الأثناء، تبدو الساعات القادمة مهمة كونها ستحدد أي السيناريوهات أقرب للموقف الأردني بعد زيارة كوشنر الذي يصفه محللون ومراقبون "بعراب الصفقة".

المصدر : الجزيرة