بالذكرى المئوية لعلاقة البلدين.. روسيا تطل برأسها مجددا في أفغانستان

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (يسار) ورئيس وفد طالبان الملا عبد الغني برادر (الأناضول)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (يسار) ورئيس وفد طالبان الملا عبد الغني برادر (الأناضول)

 

حميد الله محمد شاه-كابل

اجتمع أعضاء من طالبان وسياسيون أفغان أمس الثلاثاء في العاصمة الروسية، في الذكرى المئوية لإقامة علاقات دبلوماسية بين موسكو وكابل، لإجراء محادثات تهدف إلى إنهاء الحرب في أفغانستان. وفي هذا الاجتماع برز وجه جديد هو عبد الغني برادر، أحد مؤسسي حركة طالبان ورئيس المكتب السياسي للحركة، الذي تحدث علنا ​​لأول مرة عن الحاجة إلى اتفاق سلام.

وكان الملا برادر أول ضحية لمحادثات السلام، حين اعتقلته المخابرات الأميركية والباكستانية في مدينة كراتشي الباكستانية في فبراير/شباط 2010، وحاولت الحكومة الأفغانية آنذاك الإفراج عنه، ولكن جهودها باءت بالفشل. وأفرج عنه مؤخرا بطلب من الحكومة الأميركية، لأن المبعوث الأميركي إلى أفغانستان زلماي خليلزاد يعتقد أن الملا برادار يمكن أن يلعب دورا إيجابيا في المفاوضات.

وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أول مسؤول أجنبي يجلس إلى طاولة واحدة وأمام الكاميرات مع الملا عبد الغني برادر في اجتماع حضره الرئيس الأفغاني السابق حامد كرزاي وعدد من منافسي الرئيس الأفغاني الحالي محمد أشرف غني، ودعا لافروف الولايات المتحدة الأميركية إلى سحب قواتها من أفغانستان، من أجل التوصل إلى حل سياسي لإنهاء الحرب، بينما اعتبر الملا برادر وجود القوات الأميركية عقبة رئيسية أمام محادثات السلام في أفغانستان.

ويرجع مراقبون عقد الاجتماع إلى التباطؤ الذي تشهده مفاوضات طالبان والمبعوث الأميركي إلى أفغانستان بسبب رفض طالبان وقف إطلاق النار وبدء المحادثات مع الحكومة الأفغانية.

وحسب ذبيح الله مجاهد، فإن وفد حركة طالبان بقيادة الملا برادر يعقد اجتماعات مغلقة مع كبار المسؤولين الروس، دون تقديم مزيد من التفاصيل. وهذا اللقاء هو الثاني من نوعه بين طالبان والأفغان على هامش حفل تشرف عليه الخارجية الروسية بمناسبة الذكرى المئوية للعلاقات الدبلوماسية بين كابل وموسكو.

وكثفت روسيا من مشاركتها الدبلوماسية في دفع تسوية سلمية للحرب الأفغانية، باستخدام نفوذها المتزايد واتصالاتها مع طالبان. فقد أعلنت روسيا والولايات المتحدة والصين في اجتماع الشهر الماضي أن الدول الثلاث توصلت إلى إجماع حول إطار لاتفاقية سلام تتفاوض حولها الولايات المتحدة مع طالبان.

موسكو تحرص على فتح قنوات اتصال مع مكونات المجتمع الأفغاني وفي مقدمتهم حركة طالبان (الأناضول)

الخلفية التاريخية للعلاقة
بعد استقلال أفغانستان من البريطانيين عام 1919، كان الاتحاد السوفياتي أول دولة تعترف باستقلال أفغانستان، وأرسل الأمير أمان الله خان وفود عدة إلى روسيا لتأمين دعم الاتحاد السوفياتي ضد البريطانيين، وأرسل الأمير في فبراير/شباط من العام نفسه وزير خارجيته آنذاك ولي محمد إلى فلاديمير لينين، ومن هنا بدأت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

وفي 27 ديسمبر/كانون الأول 1979 غزت القوات الروسية أفغانستان، وقام 700 جندي بينهم 54 عميل كي جي بي من القوات الخاصة، مرتدين اللباس الأفغاني الموحد باحتلال المباني الحكومية والعسكرية والإذاعة الرئيسية في العاصمة كابول، بما فيها هدفهم الرئيسي قصر تاج بيك الرئاسي، حيث تخلصوا من الرئيس حفظ الله أمين.

عودة روسيا إلى المشهد الأفغاني
أهملت السلطات الروسية القضية الأفغانية على مدى ثلاثة عقود بعد انسحابها من أفغانستان عام 1989، وبعد ما أقحم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين جيشه في سوريا وتيقن من لعب دور أساسي في قضايا الشرق الأوسط، قرر استعادة الدور السياسي والنفوذ في أفغانستان.

وباشرت السلطات الروسية بالتواصل مع المكتب السياسي لحركة طالبان في الدوحة في 2013، ولعبت أوزبكستان وتركمانستان دورا فعالا في تعزيز العلاقات بين روسيا وحركة طالبان.

ويقول الكاتب والمحلل السياسي وحيد مجدة "إن حركة طالبان تثمن علاقتها مع روسيا والصين وإن ممثليها زاروا دولا أوروبية، ولكن الإعلام يسلط الضوء على الدول التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية في عدد من الملفات، وحققت حركة طالبان تقدما كبيرا في بناء العلاقات السياسية مع الآخرين".

وأضاف وحيد مجدة للجزيرة نت أن "الاحتفال بالذكرى المئوية للعلاقات الدبلوماسية بين كابل وموسكو كان مجرد واجهة للقاء بين الملا عبد الغني برادر والرئيس الأفغاني السابق حامد كرزاي، لأن الأخير كان على تواصل مع الملا برادر ولم يلتق به حتى الآن، وطلب من السلطات الروسية ترتيب اللقاء به لمناقشة موضوع المصالحة في أفغانستان".

 جمعت روسيا أطرافا أفغانية مؤثرة في الواقع الأفغاني كانت تخوض بالأمس معارك طاحنة (الأناضول)

أهمية طالبان لموسكو
بعد سقوط حكومة حركة طالبان بعد 11 سبتمبر/أيلول 2001 كانت روسيا على وئام تام مع سياسة واشنطن في أفغانستان، واستمر الحال إلى 2014، وعندما وصل التوتر الأمني إلى المناطق الشمالية في أفغانستان وظهرت تقارير عن وجود تنظيم الدولة الإسلامية فرع خراسان في أفغانستان. ساورت القيادة الروسية الشكوك من حضور القوات الأميركية في أفغانستان، فبدأت المنافسة بين واشنطن وموسكو في الملف الأفغاني.

يقول الأكاديمي في جامعة كابل أسد الله وحيدي "كانت روسيا تدعم الموقف الأميركي في أفغانستان، وطالبت الرئيس الأفغاني السابق حامد كرزاي بتوقيع اتفاقية أمنية مع واشنطن، وعندما وصل التوتر إلى الحدود الشمالية لروسيا بدأت روسيا تتواصل مع حركة طالبان، لأنها تستطيع الوقوف أمام مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية".

لذلك فتحت روسيا قنوات التواصل مع أطياف مختلفة من المجتمع الأفغاني، وأقامت علاقات قوية مع الرئيس الأفغاني حامد كرزاي، الذي يعتقد أن روسيا تستطيع إعادة التوازن للمنطقة.

يقول وحيدي "روسيا تريد الانسحاب الأميركي من أفغانستان، لذلك تحاول جادة في إحلال السلام في أفغانستان، لأنها لا تثق في الخطط الأميركية، بل تعتقد أنها تهدد مصالحها، فهي تحاول أن يكون لها نفوذ بعد المصالحة مع حركة طالبان".

وتعتمد روسيا على القوة الناعمة في أفغانستان، حيث بدأت بتقديم المنح الدراسية المجانية، ومنذ 2017 فتحت السفارة الروسية المركز الثقافي الروسي لتعليم اللغة والفن الروسي، وحسب أرقام رسمية يصل عدد الذين يتعلمون اللغة الروسية في جميع أنحاء البلاد 6500 طالب، بعضهم حصل على منح دراسية في الجامعات الروسية.

المصدر : الجزيرة