ساحة الحراك الجديدة بالجزائر.. ارتوت بدماء 4500 شهيد وخِيط فيها علم الاستقلال

المحتجون تدفقوا إلى ساحة الشهداء بعد أن أغلقت السلطات ساحة البريد المركزي في وجوههم (الأناضول)
المحتجون تدفقوا إلى ساحة الشهداء بعد أن أغلقت السلطات ساحة البريد المركزي في وجوههم (الأناضول)

عياش سنوسي-الجزائر

بعد قرار السلطات الجزائرية إغلاق ساحة البريد المركزي بداعي حدوث بعض التشققات بمدرّجاتها، تحول المحتجون إلى "ساحة الشهداء" ذات الفضاء الرحب، والتي لا تبعد عنها إلا نحو 1.5 كيلومتر.

وفضلا عن ذلك، فإن الوصول إليها يمر عبر شارع زيغود يوسف (أحد أبطال الثورة التحريرية) المطل على البحر، فيكون في السير إليها أكثر من معنى.

وضجت مواقع التواصل بالإشادات بالساحة الجديدة، وكتب الإعلامي مرزاق صيادي "ساحة الشهداء.. واسعة وليست فيها مدرجات"، بينما كتب زميله حسان زهار "بداية من الجمعة 15، الانتصار للشهداء سيكون من ساحة الشهداء".

خمسة قرون
وتحيل "ساحة الشهداء" في المخيال الشعبي الجزائري إلى التاريخ بكل تجلياته؛ فعمرها يلامس خمسة قرون، حيث كانت تعرف باسم "كتشاوة" قبل أن تشهد واحدة من أكبر مجازر فرنسا أثناء احتلالها البلد عام 1830 بإعدامها أكثر من أربعة آلاف مصل في المسجد القريب منها.

ويقول المؤرخ والأكاديمي محمد الأمين بلغيث للجزيرة نت "قبل مجيء العثمانيين في القرن 17 الميلادي إلى الجزائر لم تكن "ساحة الشهداء معروفة".

وحسب المتحدث، فإن مركز الجزائر العاصمة خلال القرن 16 كان في منطقة الحامة وبلوزداد حاليا.

ويضيف أنه في مطلع القرن 17 تحول المركز إلى حي القصبة، الذي جمع في بنائه بين الهندسة المعمارية الموريسكية ونظيرتها في الأناضول العثمانية، فشهد تطورا عمرانيا لافتا من خلال تشييد مئة وثلاثة مساجد، و26 ضريحا، فضلا عن عشرات الزوايا.

ومن المؤسف أنه لم يتبق من هذه المساجد بعد استقلال الجزائر 1962 سوى ثلاثة مساجد، وتم تغيير طبيعة الهندسة المعمارية للمدينة، وحل مكانها بالقوة الهندسة المعمارية الفرنسية.

أسماء متغيرة
وعندما قدم الاحتلال الفرنسي كانت هذه الساحة تحمل اسم "كتشاوة"، وتعني ساحة الماعز؛ لأنها كانت عبارة عن سوق يلتقي فيها الجزائريون وترعى فيها الماعز بكثرة.

لاحقا عرفت باسم "ساحة الحكومة" أو "بلاصة العود"، وتعني باللهجة الجزائرية "ساحة الحصان"، في إحالة للتمثال الذي تم نصبه في 1845 بالساحة تخليدا للدوق فرديناند فيليب دورليان، ويبدو فيه ممتطيا حصانه.

وأشار المؤرخ الجزائري إلى أن الجيش الفرنسي تحت قيادة الجنرال الدوق دو روفيغو ارتكب عام 1832 واحدة من أبشع جرائمه، وأعدم نحو 4500 من المصلين، الذين كانوا اعتصموا بمسجد "كتشاوة" المقابل للساحة، والذي بُني عام 1612.

ويومها كان الاعتصام احتجاجا على تحويل المسجد لكنيسة. وحسب المتحدث فإن أول قداس أقيم في هذه الكنيسة كان ليلة عيد الميلاد 24 ديسمبر/كانون الأول 1832 من قبل الأب ديبوش.

وأشار بلغيث إلى أن "ساحة الشهداء" تحولت خلال الثورة التحريرية (1954) إلى مركز لتخريج الأبطال، وفي أحد الدكاكين المنتشرة قربها تمت خياطة العلم الجزائري.

وتقول روايات إن الجنرال الفرنسي "ماسو" كان يتخذ من مقر غرفة التجارة والصناعة قبالة الساحة مقرا لمتابعة نشاط رمز الثورة الجزائرية الشهيد محمد العربي بن مهيدي، وإضراب الثمانية أيام عام 1957.

يوم النصر
وبعد استقلال الجزائر في 1962 تمت إقامة صلاة الجمعة الأولى في جامع كتشاوة تحت إمامة الشيخ البشير الإبراهيمي، وأطلق عل الساحة منذ ذلك اليوم اسم "ساحة الشهداء".

ويؤكد بلغيث أن إطلاق "ساحة الشهداء" كان تكريما لجميع شهداء الجزائر، وليس لتكريم المصلين الذين استشهدوا داخل المسجد قبل 132 عاما فحسب".

وبعد الاستقلال، لم تشهد الساحة أي حدث مهم سوى تلك التجمعات الحاشدة للجبهة الإسلامية للإنقاذ عام 1989.

وفي أعقاب انتفاضة "الزيت والسكر" في 2011، اتخذها الزعيم السابق لحزب تجمع "الثقافة والديمقراطية" (يساري) -كل سبت- مكانا لحشد أنصاره ضد النظام حتى أطلق عليه "سعد سبت".

وفي عام 2012 تم بالصدفة اكتشاف موقع أثري بالساحة أثناء القيام بأعمال حفر لتمديد أنفاق مترو العاصمة، واكتشفت آثار تعود للقرن الثاني وأروقة رومانية وفسيفساء لكنيسة من القرن الخامس ومقبرة بيزنطية من القرن السابع للميلاد.

المصدر : الجزيرة