الجيش والثورة في السودان.. تفكيك أم إعادة بناء؟

جنود أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم (رويترز)
جنود أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم (رويترز)

عبد الله محمد-الخرطوم

تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي أنباء عن خطة لإعادة هيكلة الجيش السوداني، يفسرها بعض المراقبين بأنها محاولة لتفكيك القوات المسلحة السودانية لصالح قوات الدعم السريع التي يقودها الفريق محمد حمدان دقلو "حميدتي"، نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي، وهي القوات التي يُشار إلى أنها استوعبت في الآونة الأخيرة مجندين كثرا من أقاليم مختلفة، في مقدمتها إقليم شرق السودان.

وتواترت أنباء عن تمويل خليجي لتدريب طيارين بغرض تشكيل قوة جوية تتبع لتلك القوات.

وكان كل من الفريق حميدتي والفريق ياسر العطا عضو المجلس العسكري، اتهما جهات لم يسمياها بزرع الفتنة بين الأجهزة الأمنية، وهو ما يستدعي تبين وضعية الجيش السوداني بعد التطورات المتلاحقة في الخرطوم عقب الإطاحة بالرئيس عمر البشير تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية.

يرى الأستاذ الجامعي الدكتور فيصل عوض حسن أن "مخطط تذويب الجيش السوداني" هو مؤامرة بدت واضحة، عندما تحدث حميدتي في الأول من مايو/أيار الجاري عن هيكلة جهاز الشرطة عقب تنفيذ ضباط من رُتبة النقيب فما دونها إضرابا ليوم واحد.

يشير الدكتور حسن إلى أنه وبحجة تطهير الشرطة من الإسلاميين، أحيل المئات من صغار الضباط مع بعض الرُتَب الكبيرة للتقاعد، وأن عملية تهميش الجيش بدأت بصورة متسارعة، عبر تجنيد مئات الشباب لحساب قوات الدعم السريع، في أكثر من مكان بالسودان.

لكنه يستبعد ما قيل عن تدريب طيارين يتبعون للدعم السريع بقوله إن ذلك النوع من التدريب يحتاج مقومات أكاديمية وذهنية، مع وعي قانوني عال، وإن جميع هذه المطلوبات لا تتوفر عند من سماه "رجل المليشيا".

حميدتي ظهر في صدارة المشهد بعد الإطاحة بالبشير (رويترز)

فكرة خليجية
وقال مصدر أمني للجزيرة نت إن فكرة تفكيك القوات المسلحة هي "مغامرة خليجية" هدفها تكوين قوة عسكرية مستدامة الولاء لمحور السعودية والإمارات تحت قيادة حميدتي، وأضاف أن الدولة المصرية ترفض ذلك، بحكم خبرتها ومعرفتها بشؤون السودان.

وينوّه المصدر الأمني إلى أن الجيش ولاؤه للوطن، وأن المليشيات من أي جهة كانت ولاؤها لقائدها.

ويضيف "القوات المسلحة السودانية هي نتاج تدريب وتسليح لأكثر من 70عاما، بلغت خلالها درجات عالية من الكفاءة، بينما الدعم السريع يحتاج على الأقل لثلاثين عاما كي يصبح في مستواها الحالي".

ويرى العميد المتقاعد سوركتي ساتي أن مجرد التفكير في إذابة الجيش في أي كيان آخر ينم عن رأي خطير، لأن الجيش هو المؤسسة الأكثر رسوخا لأنها تقوم على ميراث اجتماعي جعل من الجيش حائطا لحماية الدولة.

ويفهم سوركتي تصريحات الفريق العطا عن وجود جهات تسعى للفتنة، بأنها إشارة إلى قوى داخلية لا تريد نمو علاقة سليمة وطبيعية مع مصر.

من جهة أخرى، يشكك القيادي في قوى إعلان الحرية والتغيير محمد ضياء الدين في التحركات التي تقوم بها قيادات بالمجلس العسكري الانتقالي بقوله إن التطورات السياسية الجارية في السودان إجمالا يشوبها الكثير من الغموض والضبابية، خاصة أن المجلس العسكري يثير الكثير من الغبار من خلال توجيه اتهامات مفتوحة، دون أن يفصح بشكل مباشر عن أي جهة يعني بتلك الاتهامات.

 ويضيف ضياء الدين أن المجلس العسكري أعلن انحيازه لمحور الإمارات السعودية دون أي تفويض من الشعب، مستبقا في ذلك تكوين السلطة المدنية الانتقالية، وهو بهذا يسعى لوضع البلاد تحت سياسة الأمر الواقع، حسب تعبيره.

ويقول إن قوات الدعم السريع هي المسيطرة عمليا على المشهد الأمني والسياسي في السودان، وهي القوة الأكثر تسليحا، وقائدها يقوم عمليا بمهام رأس الدولة، بينما تحاول جهات بعينها -يحددهم بالإسلاميين وأعمدة النظام السابق- استغلال الفجوة الأمنية لتمرير أجنداتها.

ويقول الكاتب والمحلل السياسي عمار عوض معلقا على اتهام الفريق العطا لجهات بالسعي لزرع الفتنة بين الأجهزة الأمنية، إن الهدف من تلك التصريحات هو إحداث تماسك ويقظة داخل الأجهزة الأمنية، أو لربما تكون تلك التصريحات مقدمة لحملة تراجع عما تم الاتفاق عليه من ترتيبات المرحلة الانتقالية مع قوى إعلان الحرية والتغيير.

ويرى عوض أن ما يشاع عن تفكيك الجيش السوداني هو حديث لا يسنده الواقع، رغم التجريف الذي أصاب الجيش خلال حقبة البشير حسب قوله.

وحول ما أشيع عن تدريب طيارين للدعم السريع في دولة مجاورة، وهو نبأ لم يتأكد من مصادر موثوقة، يقول عوض إنه شاهد الفريق حميدتي خلال دفن جنازة أحد أقاربه، وسمع خلال مراسم الدفن أن المتوفى طالب لقي مصرعه في طائرة أثناء تدريب بإثيوبيا.

المصدر : الجزيرة