عقبات تشكيل الحكومة بإسرائيل.. فساد نتنياهو وابتزاز ليبرمان

نتنياهو (يسار) يستمع إلى سكرتير مجلس الوزراء خلال اجتماع حكومي بالقدس المحتلة قبل أيام (رويترز)
نتنياهو (يسار) يستمع إلى سكرتير مجلس الوزراء خلال اجتماع حكومي بالقدس المحتلة قبل أيام (رويترز)

محمد محسن وتد-القدس المحتلة

عكس إقرار رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بفشله في المفاوضات لتشكيل حكومة جديدة عمق الأزمة السياسية الداخلية التي تعصف بتل أبيب، وانعدام استقرار الحكم بظل ملفات الفساد التي تواجه نتنياهو الذي يراهن على الوقت بدل الضائع لتشكيل حكومته الخامسة وتخطي عقبة قانون تجنيد الحريديم.

ومن المحتمل جدا أن يكون مشروع قانون تجنيد الحريديم، الذي يجهل تفاصيله غالبية الناخبين الإسرائيليين، مجرد العذر والقشة التي قصمت ظهر البعير، لحالة الإرباك الذي يرافق مفاوضات تشكيل الحكومة.

وتعكس هذه الحالة حجم الصراعات الداخلية والابتزاز الحزبي بالمشهد السياسي الإسرائيلي، مقابل تحصين نتنياهو وعدم تقديمه للمحاكمة، والصراع بين العلمانيين واليهود المتدينين والسجال حيال الاحتكام لشريعة التوراة في بعض القضايا على حساب الحد من صلاحيات الجهاز القضائي المدني.

ويجمع محللون إسرائيليون على أنه سواء نجح نتنياهو بتشكيل حكومة حتى منتصف الليل من يوم الأربعاء المقبل أو تم التصويت على قانون حل الكنيست نهائيا والذهاب لانتخابات مجددا بعد 90 يوما، فإن الكثير من الملفات والقضايا الإقليمية التي تعنى بها إسرائيل ستتأثر وقد تتجمد لحين تشكيل الحكومة.

ليبرمان متمسك بمواقفه المتعلقة بقانون التجنيد (الأوروبية)

تثبيت التهدئة
ولعل أبرز التحديات والملفات التي تواجه وترافق إسرائيل منذ انتخابات الكنيست الـ21 التي أجريت الشهر الماضي، تثبيت التهدئة مع الفصائل الفلسطينية واحتمال التصعيد بمواجهة شاملة على جبهة غزة، وكذلك التطبيع مع الدول العربية وتعزيز الحلف ما بين إسرائيل والسعودية.

كما سيؤثر الإرباك السياسي الإسرائيلي في خطة الإدارة الأميركية المعروفة بـ"صفقة القرن" ومؤتمر البحرين الاقتصادي لتصفية القضية الفلسطينية الذي سيعقد بالعاصمة المنامة نهاية يونيو/حزيران المقبل، والموقف الإسرائيلي الرسمي من السلطة الفلسطينية، علما أن نتنياهو أعلن أنه سيفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية المحتلة، مما يعني وأد حل الدولتين.

وفي ظل هذه التحديات، يرى محللون أن ليبرمان قرر حسم مصير نتنياهو شريكه السياسي فيالسوات الـ25 الماضية، وعزوا ذلك إلى أن ليبرمان ربما يرى ذلك بمثابة خدمة للمجتمع الإسرائيلي، وربما كان قد سئم أن يكون للمرة الخامسة الجسر بين نتنياهو والحكم، مؤكدين أنه لولا لوائح الاتهام ضد نتنياهو وتهم الرشوة والاحتيال وخيانة الثقة والأمانة لما وصلت إسرائيل إلى حالة الفوضى بالحكم.

تحصين وتجنيد
وكتب المحلل السياسي في صحيفة "هآرتس"، يوسي فيرتر، مقالا تحت عنوان "أصبح نتنياهو عبئا على الليكود والعقبة الرئيسية أمام تشكيل الحكومة"، لخص من خلاله المشهد السياسي الذي يرافق إسرائيل منذ الإعلان عن انتخابات الكنيست التي جرت في أبريل/نيسان الماضي، وأتت على خلفية فساد نتنياهو والسعي لتشريع قانون بالكنيست الـ22 لتحصين نتنياهو ومنع تقديمه للمحاكمة والإبقاء عليه رئيسا للوزراء لولاية خامسة.

ويعتقد أن العقبة الرئيسية التي توصلت إليها إسرائيل والتي تحول دون تشكيل حكومة يمين مستقرة، هو نتنياهو، وليس رئيس حزب "يسرائيل بيتنا"، أفيغدور ليبرمان، العنيد المتمسك بمواقفه المتعلقة بقانون التجنيد، ولا حتى بعض الحاخامات المتطرفين من أحزاب الحريديم التي عززت من قوتها الانتخابية بـ15 مقعدا لحزبي "شاس" و"يهدوت هتوراة".

واستعرض المحلل السياسي شخصية نتنياهو من جهة، ولوائح الاتهام التي تنتظره من جهة أخرى، والتي جعلته الفائز الأكبر في انتخابات عام 2019 ومكنته من الهرب من مفاوضات تشكيل الحكومة التي تلت ذلك، مستذكرا أنه في عام 2009 عندما حصل الليكود على 27 مقعدا وحزب "يسرائيل بيتنا" على 15 مقعدا، قام نتنياهو بتشكيل حكومة بسهولة.

أحزاب الحريديم استعانت بالحاخامات وكبار علماء اليهود لاستمالة الناخبين (الجزيرة)

عبء وضعف
لكن بعد عقد من الزمان، وعندما أضحت موازين القوى بين الحزبين 35 مقابل 5 مقاعد، يقول فيرتير "يتصرف نتنياهو كأنه ملك إسرائيل ولا يوجد من يستبدله بالحكم، لكنه بعد الانتخابات الأخيرة يتعلم نتنياهو دروسا قاسية، حيال الفجوة الهائلة التي أظهرها ما بعد الانتخابات والواقع المعقد بالمشهد السياسي الإسرائيلي".

ويرجح المحلل السياسي أنه حتى لو تمكن نتنياهو بطريقة أو بأخرى من تشكيل ائتلاف من أجله إنقاذ نفسه، فإن رحلة المعاناة والإذلال التي جلبها له "شركاؤه الطبيعيون" تعريه وتكشف عن ضعفه، بحيث من الآن فصاعدا لن يكون "الملك نتنياهو" في السياسة الإسرائيلية، وسيكون نتنياهو الملاحق بالفساد ليس فقط وصمة عار على دولة تدعي الديمقراطية، وإنما حملا على حزبه الذي سيتمكن من تشكيل أي حكومة بحال تخلص منه.

وفي ظل هذه الفوضى، فإن تاريخ انتهاء مسيرة نتنياهو السياسية هو ديسمبر/كانون الأول 2019، حيث سيخضع لجلسة استماع لدى المستشار القضائي للحكومة، أفيخاي مندلبليت الذي سيوصي بتقديمه للمحاكمة، إذ يعي حزب الليكود جيدا هذه القضية كما بقية اللاعبين السياسيين الذين يفهمون ذلك جيدا، وسوف يعيدون النظر في قراراتهم وخطواتهم بحال أجريت انتخابات جديدة ولن يسارعوا بالتوصية على نتنياهو لتشكيل الحكومة المستقبلية.

إطاحة وابتزاز
من جهته، بدا المحلل السياسي في القناة 13 الإسرائيلية، رفيف دروكر، أكثر وضوحا حيال معاني ودلالات الابتزازات بالمشهد السياسي الإسرائيلي، لافتا إلى أن هدف ليبرمان الإطاحة بنتنياهو من رئاسة معسكر اليمين وحزب الليكود، إذ يصر ليبرمان على المصادقة على قانون تجنيد الحريديم، حتى وإن كان ذلك على حساب إعادة انتخابات الكنيست، مرجحا أن ليبرمان لا يريد نتنياهو رئيسا للوزراء.

ويعتقد المحلل السياسي أنه ليس من المؤكد أن نتنياهو سيكون لديه الأغلبية لحل الكنيست في القراءتين الثانية والثالثة، لأن مفاتيح إعادة انتخابه ليست بالضرورة في يديه، فالموعد النهائي الحقيقي لنتنياهو ليس يوم الأربعاء نهاية التمديد الذي منحه له الرئيس الإسرائيلي، ريئوفين ريفلين، ولكن بعد ذلك بفترة طويلة، لحين استدعاء نتنياهو لجلسة استماع بخصوص ملفات الفساد.

وفي ظل هذه الظروف لا يستبعد دروكر إمكانية أن يواصل نتنياهو المناورة وتقديم حكومة تعتمد على 60 عضو كنيست لحين شق صفوف تحالف حزب الجنرالات "كحول-لافان" واستمالة بعض نوابه لحكومته، وهو السيناريو الذي يراهن عليه نتنياهو رغم أن الاحتمال بأن تحظى مثل هذه الحكومة على ثقة الكنيست ضئيلة جدا، إذ أعلن ليبرمان أنه سيصوت ضد هذه الحكومة.

في المقابل، أبدى رئيس حزب "كولانو" ووزير المالية موشيه كحلون، تحفظه على هذا السيناريو، علما أن غالبية أحزاب المعارضة تفضل منح الفرصة لشخص آخر لتشكيل الحكومة على الذهاب للانتخابات مجددا.

المصدر : الجزيرة