في غزة المحاصرة.. ثلثا السكان لا يمتلكون ثمن الطعام

أسرة حسن أبو العمرين واحدة من آلاف الأسر الغزّية التي تفتقد الأمن الغذائي بسبب الوضع الاقتصادي المتردي (الجزيرة نت)
أسرة حسن أبو العمرين واحدة من آلاف الأسر الغزّية التي تفتقد الأمن الغذائي بسبب الوضع الاقتصادي المتردي (الجزيرة نت)

رائد موسى-غزة

تعاني هالة أبو العمرين وطفلاها محمد (5 أعوام) وملك (4 أعوام) من أمراض مرتبطة بسوء التغذية بفعل تردي أوضاعهم المعيشية في قطاع غزة الذي تشير تقارير دولية ومحلية إلى أن ثلثي سكانه يعانون من انعدام الأمن الغذائي.

وتقطن هالة (33 عاما) مع زوجها حسن (45 عاما) وأطفالهما الأربعة في منزل متهالك يفتقر لأبسط مقومات الحياة في حي الشيخ رضوان شمالي مدينة غزة.

في شهر رمضان الحالي تذوقت هالة وأسرتها "اللحم الطازج" لأول مرة منذ فترة طويلة. فالوضع الاقتصادي المتردي لا يسمح لهم بشراء اللحوم والدواجن، إلا المجمدة منها على أوقات بعيدة.

وتقول هالة للجزيرة نت "لأكثر من سنة ونصف لم أمتلك المال اللازم للوصول إلى السوق وشراء الخضار والفواكه واللحوم، وكان اعتمادنا خلال هذه الفترة على الفول والعدس والفاصولياء".

هالة واثنان من أبنائها يعانون من أمراض مرتبطة بسوء التغذية (الجزيرة نت)

سوء تغذية
وبسبب سوء التغذية وقلة تناولها البروتينات والفيتامينات، تعاني هالة من خلل في كرات الدم البيضاء والحمراء، يتسبب لها في دوخة (دوران) وارتفاع في درجة حرارة الجسم وحرق في الدم.

كما اكتشف الأطباء معاناة طفلها محمد من تآكل في العظام، في حين تعاني طفلتها ملك من ضعف مناعة وأمراض جلدية، ناجمة عن سوء التغذية، فضلا عن الرطوبة وسوء أحوال المنزل.

ومنذ أن فقد حسن أبو العمرين، زوج هالة، عمله في مجال الخياطة عقب اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، وإغلاق المعابر، فضلا عن معاناته من انزلاق في غضروف الظهر لا يحتمل معه العمل لفترة طويلة، تعتمد أسرته على مساعدات الشؤون الاجتماعية التي تصرفها السلطة الفلسطينية للأسر الأشد فقرا في قطاع غزة مرة واحدة كل ثلاثة أشهر.

لكن حسن يشكو من عدم انتظام صرف هذه المساعدات في الفترة الماضية، حيث أصبحت تتأخر لفترات طويلة.

ويتلقى حسن مبلغ 750 شيكلا فقط (حوالي 208 دولارات) كل ثلاثة أشهر، لكن الإجراءات التي اتخذتها السلطة الفلسطينية ضد قطاع غزة منذ نحو عامين طالت أيضا الحالات الاجتماعية ما بين الحرمان من المساعدات أو تقليصها وتأخير مواعيد صرفها.

ويقول حسن للجزيرة نت إنه حاول العمل في مجالات عدة، لكن بسبب تدهور أوضاع قطاع غزة بفعل الحصار ووضعه الصحي لم يستمر طويلا في عمل واحد، وحاليا هو رهين المنزل، من دون أي دخل ثابت يلبي احتياجات أسرته الأساسية.

مطبخ متواضع بمنزل أسرة حسن التي لا تستطيع شراء الكثير من احتياجاتها الأساسية (الجزيرة نت)

الأمن الغذائي
حالة أسرة أبو العمرين واحدة من بين آلاف الحالات المماثلة التي تمثل نسبة 68.5% من سكان قطاع غزة، حيث يعاني ما يزيد على نصف سكان القطاع البالغ عددهم نحو مليوني نسمة من انعدام الأمن الغذائي.

وأظهرت دراسة تقييمية متعددة القطاعات لتحديد وضع التغذية في قطاع غزة أعدتها حديثا "مؤسسة إنقاذ الطفل"، بالتعاون مع اليونيسيف وبدعم من برنامج الأغذية العالمي، أن استهلاك الأغذية عند نسبة كبيرة من السكان يقع دون الحد المقبول، حيث إن 23% من الأسر كانت نسبة الاستهلاك الغذائي عندهم ضعيفة، علما بأن 80% من هذه الفئة تحصل على نوع من المساعدات الإنسانية.

كما أظهرت الدراسة أن نسبة عالية من الأسر في غزة لا تستهلك الأطعمة الغنية بالفيتامينات والمعادن والأطعمة الغنية بالحديد، مما يزيد من مخاطر الإصابة بفقر الدم، بالإضافة إلى أن ما يزيد على 70% من الأسر التي شملها التقييم تقلل عدد وجبات الطعام وجودتها للتكيف مع نقص الطعام أو نقص الموارد.

وتزامنت الدراسة مع تصريح لمنسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية جيمي ماغولدريك حذر فيه من أن "الوضع خطير جدا"، وقد يزداد خطورة في حال توقف الدعم الغذائي الذي يقدمه برنامج الغذاء العالمي، ووكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، لعدم توفر التمويل اللازم مما يهدد حياة سكان القطاع جراء عدم قدرتهم على توفير الغذاء.

الشوا قال إن الحصار الإسرائيلي حول الفئات المنتجة بغزة لفئات هشة بحاجة للمساعدات (الجزيرة نت)

أسباب مختلفة
وقال مدير شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية أمجد الشوا، للجزيرة نت، إن ثلثي السكان في غزة يعانون من انعدام الأمن الغذائي بدرجة حادة أو متوسطة.

وأرجع الشوا أسباب انعدام الأمن الغذائي إلى ثلاثة أسباب، هي الحصار المستمر منذ 12 عاما، والانقسام الداخلي، والحروب والهجمات العسكرية الإسرائيلية المتتالية من الاحتلال الإسرائيلي، التي تستهدف المواطنين وممتلكاتهم وسبل عيشهم.

وأكد أن حالة أسرة أبو العمرين تنطبق على معظم سكان قطاع غزة الذين يعانون من الفقر المدقع ومحدودية القدرة الاقتصادية على تأمين الغذاء.

ووفق الشوا، فقد أدى الحصار الإسرائيلي إلى تحويل الفئات المنتجة لفئات هشة بحاجة للمساعدات، ويحذر الرجل من أن هناك فئات أخرى في غزة معرضة لانعدام الأمن الغذائي.

وأكد الناشط الفلسطيني أن الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية لسكان غزة زادت مع أزمة الرواتب التي يعيشها موظفو السلطة الفلسطينية جراء الخصومات التي طالت أكثر من نصف الراتب، وتسببت في عدم قدرتهم على تلبية الاحتياجات الأساسية لأسرهم.

وأوضح أن تراجع وزارة التنمية الاجتماعية بالسلطة الفلسطينية عن مستوى الدعم الذي تقدمه للأسر الأشد ضعفا وفقرا في غزة زاد من تفاقم انعدام الأمن الغذائي.

المصدر : الجزيرة