فورين بوليسي: كيف بذرت حروب البلقان بذور التطرف اليميني الأبيض؟

فورين بوليسي: كيف بذرت حروب البلقان بذور التطرف اليميني الأبيض؟

مظاهرة ضد الهجرة نظمتها جماعة الفجر الذهبي اليمينية باليونان في فبراير/شباط 2016 (أسوشيتد برس)
مظاهرة ضد الهجرة نظمتها جماعة الفجر الذهبي اليمينية باليونان في فبراير/شباط 2016 (أسوشيتد برس)

يقول الباحثان الأميركي عظيم إبراهيم والبوسني حاكم كارسيتش إن حروب البلقان في التسعينيات -خاصة الحرب البوسنية- هي التي شكلت مسار التطرف والإرهاب العالمي اليميني الأبيض.

ويوضح الباحثان في مقال لهما بمجلة فورين بوليسي الأميركية أن بذور قوى "التطرف الإسلامي" تم تحديدها في الغزو السوفياتي لأفغانستان، وكذلك الحروب الأخرى من الشيشان إلى العراق، لكن الصراع الحاسم الذي ولّد التطرف والإرهاب اليميني الأبيض تم التغاضي عنه. 

وأضافا أن جزءا كبيرا من التطرف العالمي اليميني الأبيض الحالي قد تشكل في صراعات البلقان في التسعينيات، خاصة حرب البوسنة.

المتطوعون المسيحيون
وأشارا إلى أن الجانب المسلم من هذه القصة معروف، أما في الجانب الآخر فقد انضم آلاف المتطوعين من جميع أنحاء أوروبا إلى جيش صرب البوسنة الأرثوذكس والجيش الكرواتي البوسني، واجتذب الجانب الكرواتي -على وجه الخصوص- العديد من النازيين الجدد من جميع أنحاء القارة خلال هذه الفترة.

وكما هي الحال مع المتطوعين المسلمين، عاد قدامى المحاربين المسيحيين إلى بلدانهم الأصلية بعد الحرب، وتطرفوا واستعدوا للعمل الجديد، وأصبح بعض هؤلاء المحاربين القدامى نواة للمليشيات اليمينية الجديدة التي ستتحول بمرور الوقت إلى قوى سياسية قوية.

فورين بوليسي: حرب البوسنة هي التي شكلت مسار التطرف والإرهاب العالمي اليميني الأبيض (رويترز)

وذكرا أن أحد الأمثلة البارزة على ذلك هو جماعة الفجر الذهبي في اليونان، إذ من المعروف أن الأعضاء الرئيسيين لهذه الجماعة شاركوا في مذبحة سربرينيتسا التي نتج عنها مقتل أكثر من ثمانية آلاف من البوسنيين المسلمين عام 1995.

استجابة بطيئة
وكما هي الحال مع المتطوعين المسلمين، كانت الحكومات الأوروبية بطيئة للغاية في إدراك الخطر الذي شكله هؤلاء المحاربون "المتطرفون" على مجتمعاتهم عند عودتهم، وصوّر كثيرون في اليونان في ذلك الوقت المشاركين اليونانيين في المذابح، خاصة على أسس دينية وأيديولوجية كأبطال، وينطبق الشيء نفسه على العديد من بلدان أوروبا الشرقية، لا سيما أوكرانيا ورومانيا وروسيا، وفي بعض الدوائر في أوروبا الغربية أيضا.

وقال الباحثان إن هذا الفشل أنتج شبكات "التطرف" الراديكالي اليميني الأوروبي، كما حدث مع "التطرف" الإسلامي.

وأشارا إلى أن هناك موضوعا متكررا في تفكير القوميين البيض، وهو مفهوم الحرب الأبدية بين الحضارتين الأوروبية والإسلامية، التي يقولون إن أحد أشكالها كان التكاثر الديموغرافي.

فكرة التنافس الديموغرافي
وأكدا أن فكرة الحرب المستمرة بين المسيحية والإسلام لها تاريخ طويل في البلقان وما وراءها، لكن فكرة أن هذا الصراع يتم شنه في هذه اللحظة من الزمن بسبب التنافس الديموغرافي بين الأجناس له خصوصية يتصف بها الصرب وحدهم؛ فها هو -على سبيل المثال- زعيم الصرب البوسنيين رادوفان كاراديتش يصرح خلال الحرب البوسنة قائلا: 

"لم يرغب المسلمون في تحويل البوسنة إلى كونفدرالية أو إلى ثلاث ولايات للكروات والصرب والمسلمين؛ لقد أرادوا البوسنة والهرسك بأكملها لأنفسهم. يريد المسلمون البوسنيون -في نهاية المطاف- الهيمنة، معتمدين على معدل المواليد المرتفع للغاية عندهم، حتى أنهم أرادوا نقل بعض الأتراك من ألمانيا إلى البوسنة للمساعدة في بناء مجتمعهم الإسلامي. وبما أن إستراتيجية الهيمنة هذه ستكون على حساب الصرب البوسنيين، فقد قاومناها من خلال حماية قرانا".

فورين بوليسي: فكرة الحرب المستمرة بين المسيحية والإسلام لها تاريخ طويل في البلقان (رويترز)

وهم المجتمع الدولي المتحضر
ومع ذلك، ينبه الباحثان إلى أن الإرث الأكثر أهمية في حروب البلقان، والأهم من المقاتلين العائدين أو الخطاب المتطرف، ربما يكون هو تحطيم وهم المجتمع الدولي المتحضر في أوروبا الذي يراقب العالم عن كثب في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

فقد كانت حروب البلقان، خاصة تلك التي اندلعت في البوسنة والهرسك، من أوائل الصراعات التي تم بثها على الهواء مباشرة على التلفزيون، بعد حرب الخليج الأولى مباشرة. وما رآه العالم كله كان وحشية ومذابح من اليسار واليمين والوسط، بما في ذلك الإبادة الجماعية الصريحة المرتكبة ضد السكان المسلمين البوسنيين.

وكانت المليشيات العشوائية التي تتمتع بدعم حكومي أكثر أو أقل يمكنها إقامة معسكرات وممارسة التعذيب والاغتصاب والقتل وإبادة التراث الديني والثقافي دون عقاب تحت بصر "العالم الحر" المزعوم. لقد راقبوا برعب، لكن كل ما فعلوه هو المشاهدة السلبية العاجزة.

تلفزة الإبادة الجماعية
ولم تتدخل الولايات المتحدة والغرب ضد صربيا إلا بعد خمس سنوات، ولم ير أي شخص العدالة في محكمة دولية إلا بعد أكثر من عقد من السنوات. وفي الوقت نفسه، كانت الإبادة الجماعية المتلفزة عامل حشد كبيرا لتعبئة المتطرفين من جميع الجهات.

ويختم الباحثان مقالهما بالقول إن لهؤلاء الذين كانوا يراقبون ما يجري الحق في الخروج بقناعة أنه بالإمكان ارتكاب فظائع دون عقاب. لذلك، إذا أردت منع الطرف الآخر من ممارسة فظائع ضدك، فالطريقة الوحيدة هي التغلب عليه وسحقه قبل أن يسحقك.

المصدر : فورين بوليسي