انتخابات إندونيسيا ونصف كأس الديمقراطية

تميزت الانتخابات الإندونيسية الأخيرة بالتعقيد وتعد أكبر انتخابات في العالم تجري في يوم واحد (الجزيرة)
تميزت الانتخابات الإندونيسية الأخيرة بالتعقيد وتعد أكبر انتخابات في العالم تجري في يوم واحد (الجزيرة)

سامر علاوي-جاكرتا

بإعلان نتيجة الانتخابات رسميا بعد خمسة أسابيع من إجرائها في 17 أبريل/نيسان الماضي، تكون لجنة الانتخابات الإندونيسية حسمت الموقف لصالح الرئيس جوكو ويدودو في مواجهة منافسه الشرس الجنرال السابق برابوو سوبيانتو، الذي يقود تحالفا من أحزاب قومية وإسلامية.

وقابلت الحكومة الإندونيسية موقف المعارضة الرافض لنتائج الانتخابات بصرامة، أدت إلى مقتل وجرح العشرات من المتظاهرين، وأنذرت بمواجهة واسعة في أكبر الدول الإسلامية من حيث السكان، وثالث أكبر ديمقراطيات في العالم بعد الهند والولايات المتحدة.

ورغم قوة أسباب التوتر سياسيا وشعبيا، تمكن مرشح المعارضة للرئاسة من سحب فتيل الانفجار، وذلك بإعلانه سحب المتظاهرين المؤيدين له من الشوارع، وإلقاء اللائمة في عمليات إطلاق النار التي استهدفت المتظاهرين على طرف ثالث يحاول الاصطياد في الماء العكر.

فالجنرال برابوو رفض نتيجة الانتخابات الرسمية، كما رفض من قبل النتائج السريعة التي أعلنتها شركات استطلاع الرأي العام، والمتهمة من قبل المعارضة بالانحياز للرئيس ودائرته من رجال الأعمال الذين يملكون مؤسسات استطلاع الرأي في البلاد.

أجهزة الدولة
ويدرك ساسة ومراقبون للشأن الإندونيسي صعوبة تجرع برابوو هزيمة ثالثة وأخيرة، خاصة أن جزءا مهما من ادعاءات التزوير ثبت بالفعل، وأكدته مؤسسات المجتمع المدني التي طالبت بمحاكمة المسؤولين عن لجنة الانتخابات على سوء إدارتهم.

ويضاف ذلك إلى تحقيق أحزاب المعارضة تقدما في الانتخابات البرلمانية والمحلية، التي أجريت بالتزامن مع الرئاسيات، مما يضع هذه الأحزاب في موقف أقوى من ذي قبل، ويعزز قناعتها بعدالة قضيتها.

رئيس البرلمان الإندونيسي السابق يشدد على أن حكم القضاء مفصلي لإنهاء الجدل بشأن صدقية الانتخابات (الجزيرة)

فرئيس البرلمان السابق أنيس متى يرى ضرورة الأخذ في الاعتبار الحفاظ على مؤسسات الدولة للتوصل إلى أي مخرج للجدل الدائر حول نتيجة الانتخابات، ويشبه الوضع الحالي بما كان عليه عقب انتخابات عام 2014، ويعتقد أن اللجوء للقضاء قد يكون المخرج الذي يجب أن يؤخذ في الاعتبار، رغم التشكيك الحالي في نزاهة القضاء.

ويدلل متى على رأيه بأن الفارق في الأصوات بين مرشحي الرئاسة كبير، وبالتالي يقلل نسبة الخطأ بما لا يفوق 8%، ويضيف أن المعارضة لا تملك أدلة كافية لإثبات التزوير المعتبر لإبطال العملية الانتخابية، إذ إنها كانت عاجزة ماليا عن نشر مراقبين في جميع مراكز الاقتراع في البلاد.

وأسهمت تجزئة مراكز الاقتراع، التي تجاوز عددها 813 ألفا، إلى وحدات صغيرة في عجز المعارضة عن مراقبة شاملة للانتخابات، حيث يخدم كل مركز ما بين 300 و400 ناخب فقط، يضاف ذلك إلى أن عملية الانتخابات المركبة شملت خمسة أنواع من الانتخابات في يوم واحد، واستغرق فرز الأصوات وقتا طويلا وعناء كبيرا.

آليات جديدة
لكن فريقا عريضا يرى أن اللجوء إلى الآليات القديمة -بما فيها القضاء الذي تشكك المعارضة في نزاهته- قد يعمق الأزمة عوضا عن تفكيكها، وأن المصلحة ليست في تدخل القضاء أو الجيش، بل في إبداع وسائل تقبل بالأمر الواقع الذي أفرزته الانتخابات الرئاسية، وفي الوقت نفسه تحقق مكاسب للمعارضة عبر البرلمان والمجالس المحلية.

ممثلون عن المجتمع المدني الإندونيسي وجهوا انتقادات شديدة للجنة الانتخابات واتهموها بالانحياز لصالح الرئيس جوكو (الجزيرة)

ولتجنب أزمة تلوح في الأفق، ولن تكون في مصلحة الرئيس أو المعارضة، وبالطبع ليست في مصلحة إندونيسيا؛ يرى البعض أن البحث عن مخرج لا بد أن يكون بطريقة غير تقليدية، نظرا لأن المعارضين يشككون في نزاهة أجهزة الدولة، بداية من لجنة الانتخابات، مرورا بالقضاء، وانتهاء بالجيش والشرطة.

فالرئيس ويدودو يشعر بأنه في موقف لا يحسد عليه في البرلمان، حيث سيكون ثقل المعارضة وتأثيرها حاسما في تمرير أي قرار أو مشروع حكومي، ولذلك فإن المعارضة قد تلجأ إلى فرض شروطها على الرئيس من أجل منحه الشرعية في السنوات الخمس المقبلة.

وفي المقابل، يتعين على الرئيس تقديم تنازلات كبيرة للمعارضة مقابل الإقرار بشرعيته، وتمرير برامجه في البرلمان المركزي وفي المقاطعات التي فاز تحالفه فيها.

وإذا تم تجاوز المعركة الرئاسية، فإن لدى أحزاب المعارضة الكثير مما تحققه في إطار صفقة يمكن التوصل إليها مع الرئيس، أقل هذه المكاسب الحفاظ على كيانات أحزاب المعارضة، لا سيما الإسلامية منها وإشراكها في السلطة، وأعلاها الحفاظ على أمن وسلامة البلاد، والحفاظ على حيادها في صراع القوى العظمى في المنطقة، والمتجسد بجلاء أمام أعين الإندونيسيين بين الصين والولايات المتحدة.

وفي المقابل، فإن من الإندونيسيين من لا يرى مصلحة إندونيسية أو مبدئية ديمقراطية في خوض معركة داخلية تحت أي مسمى، ورغم أن أنصار الديمقراطية لا يرون في الانتخابات الأخيرة -التي قبلها- نموذجا معتبرا، فإنهم يقرون بأن الديمقراطية الإندونيسية ما زالت فتية، والبلاد تصارع لتحسين وضعها الاقتصادي.

ويمكن للإندونيسيين التعايش على مضض مع نصف ديمقراطية عبر مؤسسات الدولة السيادية مثل البرلمان عن طريق الحفاظ على نصف الكأس الممتلئ، عوضا عن إهداره في مرحلة حساسة تتغول فيها القوى العظمى في المحيط الهادي، وبحر جنوب الصين، على دول تحاول أن تثبت أقدامها في أمواج عاتية.

المصدر : الجزيرة