تحديات الانتقال وإعادة بناء الدولة بالسودان في ندوة للجزيرة

من ندوة "الثورة السودانية.. تحديات الانتقال" (الجزيرة نت)
من ندوة "الثورة السودانية.. تحديات الانتقال" (الجزيرة نت)

محمد طه البشير-الدوحة

بعد مضي حوالي شهر ونصف على الإطاحة بنظام عمر البشير، ما زال آلاف السودانيين يعتصمون أمام القيادة العامة للجيش في الخرطوم للمطالبة باستكمال أهداف الثورة، في ظل تعقيدات كبيرة في المشهد السياسي وفي مقدمتها الخلاف بين قوى إعلان الحرية والتغيير التي تقود الحراك الشعبي والمجلس العسكري الانتقالي حول نسب التمثيل في مجلس السيادة الذي يمثل رأس الدولة خلال الفترة الانتقالية.

هذه التعقيدات كانت محور ندوة عقدها مركز الجزيرة للدراسات بالتعاون مع قناة الجزيرة مباشر، تحت عنوان "الثورة السودانية.. تحديات الانتقال وإعادة بناء الدولة"، تحدث فيها أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة قطر الدكتور أحمد أبو شوك، والأمين السياسي لحزب المؤتمر الشعبي إدريس سليمان، والقيادي بقوى الحرية والتغيير ساطع الحاج، والكاتبة والناشطة السياسية ناهد محمد الحسن، والقيادي بالحرية والتغيير محمد عصمت يحيى عبر الأقمار الصناعية من الخرطوم.

الثورة السودانية من وجهة نظر أبو شوك حققت هدفها المرحلي بإسقاط النظام، لكنها تواجه صعوبات في تحقيق هدفها الإستراتيجي وهو إعادة الديمقراطية.

أحمد أبو شوك: واقع تسلم الجيش للسلطة يختلف في الثورة الحالية (الجزيرة نت)

تجريف كامل
ومن وجهة نظره، فإن واحدا من التعقيدات أن واقع تسلم الجيش للسلطة يختلف عن المرات السابقة، "فخلال الثلاثين عاما حصل تجريف كامل للمؤسسة العسكرية وأصبحت أكثر التزاما من ناحية أيديولوجية مع حزب سياسي، ولذلك فإن من يقومون على سدة الحكم واكتسبوا شرعيتهم من الثورة أكثر تمسكا بالبقاء في سدة الحكم".

حديث أبو شوك فتح نقاشا حول دور المجلس العسكري، هل هو لصالح انتقال حقيقي للسلطة المدنية، ومدى حاجة المؤسسة المدنية إلى الجيش أو المنظومة الأمنية كفاعل يعمل على توفير قاعدة أمن أساسية، وكيف يمكن التوفيق بأن يعمل المجلس العسكري كشريك في الحكم ولا يقصي أطراف الثورة؟

تقول الناشطة السياسية ناهد محمد الحسن إن السودانيين جربوا تسلم العسكر السلطة الانتقالية بعد كل الثورات التي شهدها السودان، ولكن -من وجهة نظرها- كانت مآلات هذه المشاركة سيئة جدا على الشعب السوداني، و"مهام التغيير في السودان منذ الاستقلال ظل يتم ترحيلها باستمرار سواء في قضايا المساواة في المواطنة وعلاقة الدين بالدولة وقضايا المرأة والأقليات، والثورات التي شهدها السودان لم يكن لديها القدرة على إنجاز تغيير حقيقي عميق في بنية الدولة".

ساطع الحاج: نملك برنامجا للتغيير (الجزيرة نت)

تحديات للحراك
والمجلس العسكري الحالي وفقا للناشطة السياسية "ليس مجرد أشخاص ينتمون للمؤسسة العسكرية، وإنما هم تابعون للنظام السابق، والمجلس العسكري والنظام لديهم تحالف مع مليشيات منها مليشيا الدعم السريع بقيادة نائب رئيس المجلس محمد حمدان حميدتي، ومليشيات تابعة للنظام السابق ولديهم تحالف مع السلفيين، ووجود هذه المليشيات والسلاح يضع الحراك في تحديات كبيرة جدا لها علاقة بالأمن".

التصعيد قائم من قبل المجلس العسكري بحسب القيادي في إعلان قوى الحرية والتغيير محمد عصمت يحيى، و"كل الشواهد تؤكد ذلك، ومنها أن شقيق الرئيس المعزول هرب أمام نظر المجلس، ومنها فك تجميد الحسابات الخاصة بالمؤسسات التي كانت تدير العمل في النظام السابق لمقاومة المد الثوري، ومنها مقاومة قوة حراسة مدير الأمن والمخابرات السابق صلاح قوش للشرطة عند تنفيذ أمر باعتقاله"، وطلب يحيى من المجلس أن يعود إلى حضن الثورة ويساند الشارع السوداني.

إدريس سليمان: الانتقال المستقر يتطلب مشاركة الجميع في المشاورات حوله دون إقصاء أحد (الجزيرة نت)

الحوار الثنائي
الحوار "الثنائي" بين قوى التغيير والمجلس العسكري هو واحد من تعقيدات المشهد من وجهة نظر الأمين السياسي لحزب المؤتمر الشعبي إدريس سليمان، "فهناك شريحة واحدة هي قوى الحرية والتغيير تريد أن تسيطر على المشهد السياسي خلال فترة انتقالية، وإذا أردنا انتقالا مستقرا فلا بد أن يشارك الجميع في المشاورات حوله دون أي إقصاء لأحد".

وصف قوى التغيير بشريحة واحدة رفضه القيادي في قوى إعلان الحرية والتغيير ساطع الحاج، قائلا إن التحالف يضم نحو سبعين رافدا ويمثل قطاعا عريضا من الشعب السوداني، ومن تم إقصاؤهم هم الآليات العسكرية للنظام السابق والأحزاب التي كانت تسانده، ومنها المؤتمر الشعبي الذي كان لآخر لحظات النظام يدافع عنه ويقول إنه في خندق واحد معه.

وردا على أن قوى التغيير لم تكن جاهزة بالصورة المطلوبة ولا تملك برنامجا للتغيير، قال ساطع الحاج إن القوى السياسية توافقت على خطة للبديل الديمقراطي قبل سبع سنوات من سقوط النظام، والإعلان الدستوري الذي قدمته قوى التغيير مستمد من "البديل الديمقراطي".

وقال إن إصرار قوى التغيير على مجلس سيادة بأغلبية مدنية وبرئيس مدني ليس تعنتا، ولكن المزاج الشعبي لم يعد يحتمل رئيسا عسكريا وكذلك المجتمع الدولي.

سبل الحل
وبشأن الخروج من الأزمة الراهنة، يبدي محمد عصمت يحيى تفاؤله في الوصول إلى اتفاق مع المجلس العسكري، ومع ذلك يؤكد أن كل الخيارات مفتوحة أمامهم "طالما نحن متمسكون بالسلمية والعصيان المدني والتظاهر (وهي) أسلحة مجربة وستؤتي أكلها وستنتصر إرادة الجماهير السودانية".

والحل من وجهة نظر إدريس سليمان هو إدارة حوار لا يستثني أحدا، وتشكيل حكومة مستقلين بعيدا عن التجاذبات السياسية، تهيئ البلاد لانتخابات حرة ونزيهة.

إعلان الحرية والتغيير يريد تغيير الواقع، ولكن الشخص الذي كان جزءا من المشكلة لا يمكن أن يكون جزءا من حلها كما يقول أبو شوك، و"ما ننشده تغيير حقيقي لا تكون المؤسسة العسكرية جزءا منه، وممارسة نقد ذاتي وفتح قنوات مع الآخر، والحمولات الأيديولوجية لا تخدم، وعلينا الانتقال إلى مرحلة السياسات. نحتاج تعليما وصحة، والدولة في هذا الجانب لا دين لها".

ناهد محمد الحسن: الشارع وصل إلى مرحلة قطيعة نفسية مع العسكر (الجزيرة نت)

تفكير إبداعي
وفي مواجهة ما وصفته ناهد "بمماطلة المجلس العسكري لكسب مزيد من الوقت"؛ يقول محمد عصمت يحيى إن "أبرز ما يميز الثورة السودانية هي طريقة التفكير الإبداعية، ولذلك تحقق أهدافا غير قابلة للتراجع وتكسب كل يوم تأييدا كبيرا".

وترى الناشطة السياسية أن هناك أهدافا مرحلية لا بد من تحقيقها، وهي عبور الإشكالات العرقية والاختلافات السياسية، معبرة عن ثقتها في أن التغيير الآن يحدث في ميدان الاعتصام عبر التضامن اليومي والاقتراب من الآخر وإعادة بعث القيم التي اندثرت عند السودانيين بفعل سياسات النظام السابق.

والأمر الجيد من وجهة نظرها أن "الشارع وصل إلى مرحلة مع العسكر والحركة الإسلامية، جعلته حريصا على ألا ينخدع بوجود العسكر مهما كانت التطمينات الزائفة عن الأمن والأمان"، وطالبت بفترة انتقالية طويلة "لأن هناك دولة عميقة لا تزال تسيطر على الاقتصاد وتملك السلاح".

المصدر : الجزيرة