جمعت السلطة والمعارضة.. مرارة الفقد تحاصر موائد أسر مصرية في رمضان

مشاعر الفقد لم تفرق بين أسر من في السلطة أو المعارضة، بل داهمت الجميع (مواقع التواصل)
مشاعر الفقد لم تفرق بين أسر من في السلطة أو المعارضة، بل داهمت الجميع (مواقع التواصل)

كريم عادل-القاهرة

مشاعر حزينة تملؤها مرارة الفقد، عصفت بفرحة لمّ الشمل المعروفة على موائد الإفطار والسحور لدى العديد من الأسر المصرية، بعد فقدها أحد أحبابها في دوامة الرحيل التي لا تتوقف في مصر في السنوات الأخيرة على خلفية الانقلاب العسكري في 3 يوليو/تموز 2013، الأزمة التي تسببت في سفك دماء كثير من المصريين بصرف النظر عن انتماءاتهم.

هذه المشاعر تصاحب أسرة الصحفية الشابة الراحلة حبيبة أحمد عبد العزيز، التي ارتقت أثناء تغطيتها لمذبحة فض اعتصام رابعة العدوية في 14 أغسطس/آب 2013، وبات تذكرها بحسب والدتها أمرا قاسيا ومؤلما للغاية.

تحكى السيدة صابرين منجود عبده للجزيرة نت أنها وزوجها الصحفي عضو الفريق الرئاسي بمصر في 2012 أحمد عبد العزيز، حريصان منذ أول رمضان بعد فقدها على أن تكون الشهيدة حبيبة بحضرة مائدة الإفطار، وأن يكون طبقها موجودا بين أطباق المائدة، وهي المشاعر ذاتها لدى أخواتها الثلاثة مصعب وأورى ويارا.

وتضيف الأم "كل يوم عندما أطبخ، أطبخ بدموعي، خاصة عندما أطبخ شيئا كانت تحبه، وكانت قد كتبت منشورا قبل ارتقائها بأيام تقول أريد أن آكل محشي كرنب قبل السيسي ما يقتلني".

ومع غياب حبيبة المتكرر عن مظاهر الاحتفاء برمضان في المنزل، تقول الأم "مضى كل رمضان معنا على هذه الحال، أتذكرها بما تحب وبما لا تحب، واستمر الأمر معنا إلى الآن"، متابعة "كلما مرت السنون يزداد إحساس الفقد ولا يقل".

توابع الفقد مع مرور الوقت، دفعت السيدة "صابرين" إلى أن تتخيلها تتجول حولها وأحيانا أخرى تجالسها وتكلمها، مشيرة إلى أنها تحاول التغلب على إحساس الفقد بالصبر والبكاء.

ألم الفقد على موائد رمضان يعصف بأسرة الشاب أحمد وهدان وأصدقائه (مواقع التواصل الاجتماعي)

غصة في الحلق
الألم كذلك في محيط الشاب الثلاثيني الراحل أحمد وهدان نجل عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين المعتقل بسجن العقرب د. محمد طه وهدان، وأحد أحدث من نفذ ضدهم حكم الإعدام بمصر في فبراير/شباط 2019، بعد اعترافات وليدة الإكراه في قضية قتل النائب العام السابق المستشار هشام بركات، بحسب تقارير حقوقية.

عبد الله وهدان عم الشهيد الراحل، يجد في حلقه غصة لا تذهب منذ رحيل من يصفه بأنه "الحبيب بن الحبيب بن أخي بل شقيقي في الدم وأخي في دعوتي"، مؤكدا في حديث خاص أن رحيله لا تسع وصفه الكلمات.

ويتحدث عبد الله عن ملمح خاص بعائلتهم التي تتميز في الإسماعيلية بأنها ملتقى كبير للإخوان والأصدقاء في شهر رمضان، ولكن تحطم كل كذلك مع اعتقال الشقيق محمد وهدان ثم ابنه واقتحام المنزل مرات عديدة، دفعتهم لغلق منزل العائلة منذ ست سنوات حتى الآن.

شهيدة الورد 
شيماء الصباغ، أمين العمل الجماهيري لحزب التحالف الاشتراكي بمحافظة الإسكندرية، والناشطة العمالية والحقوقية، نموذج ثالث لمرارة الفقد في أوساط الثورة المصرية في شهر رمضان وخاصة اليسار المصري.

قبل اغتيالها عام 2105 بالتزامن مع الذكرى الرابعة لثورة 25 يناير/كانون الثاني عام 2011، غردت شيماء على موقع التغريدات القصيرة "تويتر": "البلد دي بقت بتوجع، ومافيهاش دفا.. يارب يكون ترابها براح.. وحضن أرضها..أوسع من سماها" ولكنها رحلت في لحظة غدر بميدان طلعت حرب وسط القاهرة، وهي تحمل وردا في طريقها لتأبين شهداء الثورة وما زال صدى دعواتها يتردد يلاحق فيما يبدو قاتلها الملازم أول ياسين حاتم الضابط بقوات الأمن المركزي الذي حصل في يوليو/تموز 2017 على حكم أولي بالسجن عشر سنوات فقط، في انتظار بقية مراحل التقاضي والطعن.

وما زال الوجع مستمرا في محيطها السياسي والأسري خاصة تجاه ابنها الجميل بلال الذي يبحث الجميع عن بسمته الغائبة منذ أن فقد أمه.

ويحرص الفنان أسامة السحلي زوج الشهيدة رغم مرور أربع سنوات على رحيلها أن يعيش معها الذكريات في كل مناسبة حتى الآن ويشاركها أصدقاءهما على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، واصفها إياها بأنها "الأمل والضحكة الحلوة التي اغتيلت" فباتت شهيدة الورد وأيقونة من أيقونات الثورة.

ألم السلطة
وفي المقابل، هناك شعور بالألم كذلك، في معسكر السلطة المتهمة بقتل "حبيبة" و"وهدان" "وشيماء"، ولكن تجرعته من نيران الإرهاب والعنف خاصة في محافظة شمال سيناء خلال السنوات الست الأخيرة.

هذا الألم عبرت عنه كما رصدت صحيفة اليوم السابع المقربة من السلطة أسرة الضابط محمد السحيلي، رئيس مباحث قسم ثالث العريش، الذى استشهد في الثاني والعشرين من أبريل/نيسان عام 2015، فى تفجيرات القسم، وتعيش الأسرة في كنف سمعة طيبة تركها لهم "السحيلي" كما كتب على صفحته على الفيس بوك قبل استشهاده بفترة "هذه السمعة رصيد لهم".

المرارة نفسها تحاصر أسرة الملازم أول أحمد عز الذي فارق الحياة أواخر 2016، في تفجير كمين أمني بشارع الهرم لكن ما يخففها بحسب والده أنه لقى ربه شهيدا ونطق الشهادة قبل أن يفارق الحياة.

وعادة يبرز الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تضامنه مع شهداء الجيش والشرطة فقط في فعاليات كثيرة، وينفي تورطه في دماء المصريين الذين ارتقوا منذ يناير/كانون الثاني 2011 خاصة مذابح عام 2013 التي تلاحقه اتهامات بالإشراف عليها.

ولا توجد أعداد موثقة بضحايا الشرطة والجيش، فبينما تحدث العقيد السابق حازم الغايش، في تصريحات صحفية في يوليو/تموز 2018 عن أن من قتلوا من عناصر الشرطة تجاوز 130، وعدد المصابين أكثر من 19 ألف مصاب منذ ثورة يناير/كانون الثاني حتى 2018، صرح مدير التواصل المجتمعي لقطاع حقوق الإنسان بوزارة الداخلية اللواء طارق عطية في 21 يناير/كانون الثاني 2015 بأن العدد وصل لأكثر من 360 منذ 30 يونيو/حزيران 2013.

المصدر : الجزيرة