كتاب وحوار.. بوباكير يتحدث عن بوتفليقة ونابليون والشاذلي وحراك الجزائر

إسلام عبد الحي-الجزائر

قال الإعلامي والكاتب الجزائري عبد العزيز بوباكير في حوار خاص مع الجزيرة نت، إن كتابه الجديد الذي يحمل عنوان "بوتفليقة.. رجل القدر" يغوص في شخصية الرئيس الجزائري المستقيل، ويجري مقارنة بينه وبين نابليون، وأسباب بقائه في الحكم لعقدين، وعلاقته بالجيش خلال هذه الفترة، كما كشف عن مصير الجزء الثاني من مذكرات الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد.

ويعتبر بوباكير أحد أبرز الكتاب الصحفيين في الجزائر، وتمتد تجربته الإعلامية لعشرات السنين وسبق له رئاسة تحرير عدد من المؤسسات الإعلامية، ووظف تلك الخبرة في مقالات متعددة رصدت جوانب مختلفة من حياة الرئيس السابق وشكلت نواة لكتاب "بوتفليقة ..رجل القدر" الذي بدأ منه هذا الحوار:

ما مضمون الكتاب وأهم النقاط التي تعرضت لها في الحياة السياسية لبوتفليقة؟
الكتاب هو مجموعة من التأملات والأفكار حول شخصية الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، ونظرته إلى الحكم، ومفهومه للدولة، وكيف أدار الجزائر لمدة 20 سنة. يتميز الكتاب بطابع سجالي، وهو عبارة عن مقالات تتحدث عن رجل القدر، وكما هو معروف في التاريخ أن نابليون بونابارت -إمبراطور فرنسا- كان يقول "أنا رجل القدر" بمعنى أن القدر اختاره لحكم فرنسا وأوروبا والعالم.

وبوتفليقة كان شديد التأثر بشخصية نابليون وأفكاره إلى درجة أنه كان يقلده في حركاته وسكناته، وكان في الوقت ذاته يعتبر نفسه رجل القدر، بمعنى أن القدر اختاره ليكون على رأس الجزائر، لكن شاءت الظروف أنه خرج من الحكم بطريقة مخزية تشبه نوعا ما مصير نابليون نفسه، الذي نفي إلى جزيرة سانت هيلينا (تقع في المحيط الأطلسي) وأبعد عن أوروبا وعاش عزلته القاتلة في الجزيرة، هناك انتبه إلى أنه أخطأ في نظرته، وقال لقد ظلمت نفسي حينما اعتقدت أني رجل القدر، والحكاية ذاتها حصلت مع بوتفليقة، أعتقد أنه انتبه في نهاية المطاف إلى أنه أخطأ العصر وأخطأ التاريخ وأخطأ نفسه.

متى بدأت في تأليف هذا الكتاب؟
في الحقيقة هو ليس تأليفا لكتاب وإنما مجموعة من تأملات وأفكار في شكل مقالات، بعضها كتبته في سنة 1999 -عام تولي بوتفليقة الحكم- وبعضها في سنة 2002 والبعض الآخر مؤخرا، وجمعت هذه التأملات في كتاب بعنوان "بوتفليقة رجل القدر"، وسينشر قبل نهاية رمضان.

بما أن التأملات والمقالات صدرت سابقا، لماذا لم تنشر الكتاب في فترة حكم بوتفليقة؟
الكثير من هذه المقالات قرأها بوتفليقة وهو رئيس، وكان من قرائي ومعجب بما أكتب، وحين انقطعت عن الكتابة سأل مستشاريه أين بوباكير، والكتاب يتضمن مقالات جمعتها لتوضيح نظرة بوتفليقة إلى الحكم ومفهومه للدولة وكيف أدار الجزائر لمدة 20 سنة.

كيف كانت علاقة بوتفليقة بالجيش؟
بوتفليقة جاء به الجيش وأخرجه الجيش من الباب الضيق، وكانت العلاقة بين الطرفين عدائية منذ البداية، حيث استغل ثقة الجيش فيه وانقلب عليه، وكان دائما يهدد قادة الجيش بكشف فسادهم، وتحويلهم إلى محكمة العدل الدولية، وكان يتخلص منهم واحدا تلو الآخر إلى أن خلا له المجال، فكانت هذه خطته منذ البداية، وهي الانقلاب على أولياء نعمته الذين جاؤوا به.

البداية كانت بانقلابه على الجنرال خالد نزار وزير الدفاع السابق وصولا إلى الجنرال محمد مدين (توفيق) مدير المخابرات السابق، اللذين كان لهما دور كبير في مجيئه وتسليمهما مفاتيح قصر الرئاسة له على طبق من ذهب.

بوباكير خلال حفل توقيع سابق (الجزيرة)

هل نجح بوتفليقة في تطبيق شعار أولوية السياسي على العسكري؟
خلال مؤتمر الصومام 1956 طُرح شعار أولوية السياسي على العسكري، وأولوية الداخل على الخارج، لكنّ هذين الشعارين لم يتم تطبيقهما قط، وفي تاريخ الجزائر المعاصرة استلم العسكر السلطة سنة 1958 إلى الآن.

بعد انقلاب بوتفليقة على بعض الجنرالات توهم أن المجال خلا له، ولما حاول أن يبعد قادة الجيش عن الساحة السياسية تماما انقلبوا عليه وأخرجوه من الباب الضيق.

كيف استطاع بوتفليقة البقاء في الحكم مدة 20 سنة؟
يجب أن نعرف أن بوتفليقة مريض بالسلطة، ولم يستسغ أن يحكم ولايتين (10 سنوات) ويسلم السلطة، لهذا عدّل الدستور سنة 2008 للبقاء في الحكم، وكان يأمل في البقاء في الحكم مدى الحياة، وكان يقول للمقربين منه أنا من قصر المرادية (قصر الرئاسة) إلى العالية (مقبرة الرؤساء)، لكن حلمه لم يتحقق.

وظف بوتفليقة أفكار ميكيافيلي في طريقة الحكم والتعامل مع الرجال ومع محيطه ومع الشعب، وكان في عمقه يحتقر الشعب الجزائري، ويعتبر حكمه للجزائر مِنَّة منه على الشعب، وقال مرة عبارة للمقربين منه كيف يحبين هذا الشعب وأنا لا أحبه. كما أن بوتفليقة حالة مرضية يجب أن نعترف بذلك.

كيف كان يتعامل بوتفليقة مع المعارضة؟
كان بوتفليقة يرفض أي صوت ناشز ولا يقبل بمعارضته، حتى المعارضة الشكلية إما أدمجها معه في حكم شكلي وإما حيّدها، وخلال فترة حكمه لم تكن هناك معارضة فعلية.

أيُّ مخرج من الأزمة الحالية؟
صعب التنبؤ، والمعادلة فيها طرفان، الحراك الشعبي والجيش، بالنسبة للحراك فهو دون قادة وممثلين لكن الشعارات موحدة ومجندة، وإذا كانت جماعة وراء هذا الحراك من المفروض أن تظهر، لأنهم يطالبون المؤسسة العسكرية بالحوار، لكنها مع من تتحاور؟

هل سنشهد تكرارا للتجربة المصرية في الجزائر؟
لا أعتقد أن يتكرر ذلك، لأن الحراك الجزائري كان متميزا ضمن ما يسمى بالربيع العربي بسلميته وعفويته وغياب قيادة واضحة، لهذا تكرار السيناريو المصري مستبعد تماما.

الجيش الجزائري ملتزم بالدستور وحماية الحراك الشعبي، كما يحتفظ بتجربة سنة 1992 لما أوقف المسار الانتخابي وما انجر عنه من أعمال عنف، فهو لا يريد أن تتكرر نفس التجربة ويورط نفسه من جديد ضد الشعب.

الجيش يريد أن يرافق هذا الحراك، ولهذا أعتقد أن الشعارات التي ترفع من حين لآخر ضد مؤسسة الجيش لا أساس لها من الإعراب، وما قام به الجيش من حماية الحراك واعتقال رؤوس الفساد يكفيه فخرا.

بحكم علاقة الصداقة التي تجمعك بأحمد طالب الإبراهيمي، هل عُرضت عليه قيادة المرحلة الانتقالية؟
الإبراهيمي أعرفه جيدا، وقال لي شخصيا إنه يستحيل أن يحكم وخلفه من في الستار، وهنا يقصد الجيش، فهو لن يقود أي مرحلة ولن يقبل برئاسة الجزائر لا كرئيس منتخب ولا كرئيس مرحلة انتقالية، لأنه لا يزال يتذكر مهزلة 1999 حين انحاز الجيش إلى بوتفليقة على حساب المرشحين الستة للانتخابات الرئاسية.

بالإضافة إلى أنه شخص زاهد في السياسة وانسحب منها ولن يعود إليها، وسنه المتقدمة (87 سنة) لا تسمح له بتولي الحكم.

ما مصير الجزء الثاني من مذكرات الرئيس السابق الشاذلي بن جديد؟
الجزء الثاني من المذكرات سلّمته لدار النشر منذ أربع سنوات باللغتين العربية والفرنسية ولم يصدر، لهذا فمن المفروض أن يوجه السؤال لدار النشر وعائلة الشاذلي بن جديد وكذلك إلى الطرف الذي منعه في السلطة.

أعتقد أن المسألة عمليا هي في يد حرم الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد "حليمة"، تكلمت معها مؤخرا، وهي لا تزال مترددة في نشرها.

من أسباب حظر المذكرات هو تخصيص فصل كامل للحديث عن علاقة بوتفليقة بالشاذلي والرئيس السابق هواري بومدين.

بوباكير (يمين) رفقة الرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بن جديد (مواقع التواصل)

كيف كانت علاقة الرئيس المستقيل بالشاذلي؟
بوتفليقة والشاذلي كانا عضوين في مجلس الثورة، وكلاهما مقرب من الرئيس الراحل هواري بومدين.

الشاذلي بن جديد لم يكن يرتاح لبوتفليقة، وبوتفليقة ظل يحقد على الشاذلي، وكان يعتبر نفسه المرشح الشرعي لرئاسة الجزائر بعد وفاة بومدين، وبوتفليقة ظل يتهم الجيش بالاستيلاء على السلطة وتسليمها للشاذلي بن جديد، وفي الكثير من خطبه كان ينكّت على بن جديد بنكت لا تليق بمقام رئيس جمهورية.

لكن الشاذلي كان يلبي دعوة بوتفليقة في المناسبات الوطنية، لماذا؟
دعني أوضح نقطة مهمة، في البداية الشاذلي لم يكن يلبي الدعوة إلى أن سألني ذات مرة لما وصلته دعوة من بوتفليقة بمناسبة ذكرى اندلاع ثورة التحرير في أول نوفمبر/تشرين الثاني هل أذهب؟ قلت له بغض النظر عن علاقتك ببوتفليقة وعما قاله فيك يجب أن تذهب لأن نوفمبر نومفبرك أنت وليس نوفمبره هو، ومن ثم بدأ يحضر احتفالات أول نوفمبر و05 يونيو/حزيران المخلدة لذكرى الاستقلال، لكن حضوره كان ظاهريا فقط، أما في العمق فعلاقتهما كانت متوترة.

الحراك الشعبي حرر العديد من القطاعات، هل حرر كذلك مجال الكتابة؟
الحراك الشعبي حرر الجزائريين من الخوف وأصبحت لهم مطالب سياسية محددة، ومن المفروض أنه حرر الكتابة لكنه إلى حد الآن لم تظهر أعمال، لأن الوقت مبكر جدا لظهور مؤلفات في مستوى الحراك.

ما قراءتك للمشهد الإعلامي الحالي في الجزائر؟
هو مشهد مثير للشفقة، مستوى الإعلام انحدر انحدارا مخيفا، وأصبح يروج للأخبار الكاذبة ويتلاعب بالعقول بشكل مفضوح، والإعلام في الجزائر تحكمه قوتان: السياسة والمال، وهو خاضع لهاتين السلطتين.

وفي الحقيقة الإعلام يفتقد للاحترافية والمهنية وأخلاقيات المهنة التي تعتبر هي الأساس في العمل الإعلامي، وفي الوقت نفسه الصحفيون يعانون من مشاكل مهنية واجتماعية لا عد ولا حصر لها، وأغلبهم تكوينهم ضعيف. ويواجهون انسدادا في مصادر الخبر، مما شجع الصحافة على التخمين، كما أن بعض المصادر أصبحت تتلاعب بالصحفيين.

في رأيك، لماذا هذا التراجع في مستوى الإعلام الجزائري؟
الصحافة ليست منفصلة عما حدث في الجزائر. خلال ميلاد التعددية الإعلامية في الجزائر بداية التسعينيات، كانت الصحافة مغامرة فكرية، وكان على رأس الصحف أسماء كبيرة، ثم بدأ المستوى يتدنى إلى أن وصلنا لما نحن عليه الآن، حيث أصبحت الصحافة مهنة من لا مهنة له.

المصدر : الجزيرة