هل علم جمال عبد الناصر بموعد هجوم إسرائيل عام 1967؟

كثير من المحللين يؤكدون أن عبد الناصر لم يكن ينوي دخول حرب (مواقع التواصل الاجتماعي)
كثير من المحللين يؤكدون أن عبد الناصر لم يكن ينوي دخول حرب (مواقع التواصل الاجتماعي)

أحمد حموش 

مر نصف قرن تقريبا على هزيمة 1967، لكن كثيرا من ملفات الحرب وما جرى خلالها لا يزال الغموض يلفها، إذ في الوقت الذي بادرت فيه إسرائيل لإنشاء لجنة "أغرانات" لكشف أخطاء قياداتها في حرب 73، أبت السلطات المصرية المتعاقبة إلا أن تجتهد في إخفاء ما حدث في الهزيمة التي لا تزال مصر والعرب يتجرعون مرارة نتائجها حتى اللحظة.

ومن أبرز النقاط التي شغلت بال القيادات العسكرية المصرية التي شاركت في الحرب، والقادة السياسيين والمحللين، هو هل عرف الرئيس جمال عبد الناصر حقيقة بتوقيت هجوم إسرائيل الكاسح أياما قبل وقوعه؟

فقد أكد أكثر من مسؤول مصري أن الرئيس المصري جمال عبد الناصر علم بأن إسرائيل ستهجم على مصر يوم 5 يونيو/حزيران 1967.

السفير المصري السابق في موسكو الراحل مراد غالب المقرب من جمال عبد الناصر، حكى في برنامج "شاهد على العصر" لقناة الجزيرة أنه أعد في تلك الفترة حفلة يحضرها سفراء عدد من الدول، من بينهم سفير الولايات المتحدة لويلين تومبسون.

وصادف موعد الحفلة التي كان ينوي السفير المصري تنظيمها صباح الخامس من يونيو، فاتصل تومبسون بزميله المصري قبلها بنحو ثلاثة أيام وأخبره أنه لن يستطيع الحضور لأن "أمورا هامة ستحدث صباح الاثنين 5 يونيو".

لم يشك مراد غالب في تلميحات السفير الأميركي، فبادر بإخبار عبد الناصر بموعد الهجوم على مصر قبل أن يقع بثلاثة أيام.

ومن بين المصادر التي أعلمت عبد الناصر بموعد الهجوم الإسرائيلي رئيس يوغوسلافيا وقتها جوزيف تيتو، الذي كان على علاقة جيدة بالرئيس المصري، وسارع لإخباره بالنوايا الإسرائيلية إثر وصول المعلومات إليه. وقد أكد مراد غالب نفسه ذلك في شهادته على العصر.

عبد الناصر وفي الصورة بعض من ضباط ثورة 23 يوليو وفي مقدمتهم عبد الحكيم عامر (التواصل الاجتماعي)

72 ساعة
عبد الناصر نفسه وبعد أن وصلته المعلومات المؤكدة من أكثر من جهة، أخبر قيادة الجيش بذلك.

ففي صباح الجمعة 2 يونيو/حزيران اجتمع بالقادة العسكريين، وأكد لهم أن إسرائيل ستهاجم مصر خلال أقل من 72 ساعة.

وطلب منهم -وخص بالذكر قائد الطيران الفريق أول صدقي محمود- بالتجهز لتلقي الضربة الأولى، مؤكدا أن مصر لن تبادر بضرب إسرائيل!

وحجة الرئيس المصري في ذلك هو رغبته في استغلال الاعتداء الإسرائيلي لشن حملة سياسية ضد تل أبيب، مع الرد بقوة على الهجوم الإسرائيلي، وفي ذهنه ما وقع عام 1956 إبان العدوان الثلاثي على مصر، حيث تدخلت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي (القوتان الجديدتان بعد الحرب العالمية الثانية) وطلبتا وقف الحرب التي أعلنتها بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على مصر بعد تأميم قناة السويس.

طلب الرئيس عبد الناصر لم يلق استحسان عدد من القيادات العسكرية الحاضرة، حتى إن صدقي محمود أخبره أن الهجوم الإسرائيلي سيؤدي إلى "تكسيح" القوات الجوية المصرية.

الاجتماع الذي شرح فيه عبد الناصر الاتجاهات الدولية، وما تنوي إسرائيل عمله، انتهى إلى مطالبة الجيش الذي كان يقوده المشير عبد الحكيم عامر، باتخاذ الإجراءات الوقائية لتخفيف حدة الهجوم المرتقب، رغم تحذير القيادات العسكرية من أن خسارة المبادأة والمفاجأة خطأ وخطر.

الغريب أن قادة الجيش، ممثلة في عامر ووزير الدفاع شمس بدران ومن لف لفهما، لم يتخذوا أي إجراءات لتفادي الكارثة، وأكدت قيادة الطيران أنه من الصعب تغيير وضع أسراب الطائرات المصرية.

بل إن اللواء جمال حماد -صاحب الاسم الأول على لائحة الضباط الأحرار والذي وثق أحداثا سياسية وعسكرية في مصر منذ انقلاب 23 يوليو- نقل على لسان عسكريين أن عامر علق على حديث عبد الناصر عن الهجوم المحتمل وضرورة التأهب والاستعداد لتلقي الضربة الأولى بقوله "هو كان بينجم"!

علاقة
العلاقة بين عبد الناصر وعامر لم تكن في أوجها منذ 1956، حيث تراكمت الأزمات بينهما بعدما تقوت مكانة عامر داخل الجيش، وعجز عبد الناصر عن تغيير هذا الواقع، حتى بعد اقتراحه عام 1962 إنشاء مجلس للرئاسة لنزع صلاحيات المشير عامر وبينها ترقية الضباط، فما كان من هذا الأخير إلا أن غضب وذهب إلى بيته، مما دفع عبد الناصر للتخلي عن فكرة مجلس الرئاسة، وترك الجمل بما حمل لعامر، خوفا من أن ينقلب عليه صديقه المتحكم في القوات المسلحة.

هذه العلاقة المضطربة، جعلت عامر لا يكاد يلقي بالا لتحليلات عبد الناصر في اجتماع الثاني من يونيو/حزيران 1967، وبالتالي لم تتحول طلبات الرئيس إلى أوامر واضحة تتابع عسكريا بحالة استنفار قصوى، خاصة وأن موعد الهجمة لم يبق عليه سوى يومين تقريبا.

بل إن المشير عامر لم يغير خطط تحركاته وبرنامج أعماله، وبينها لقاء يجمعه بالقيادة المتقدمة في سيناء صبيحة الخامس من يونيو!

ويحكي الفريق سعد الدين الشاذلي أن كل قادة سيناء كانوا بانتظار المشير صبيحة يوم الهجوم، حيث إن الحرب بدأت ولا يوجد قائد واحد في موقعه بسيناء! وهذه من علامات الاستفهام الكبرى المحيطة بهزيمة 5 يونيو.

والتركيز كان على الطيران، لأن هدف إسرائيل الرئيسي هو تدمير القدرات الجوية لمصر، فتستطيع تنفيذ خططها العسكرية، ومهاجمة كافة المواقع المصرية دون أدنى مخاوف لا من الطيران ولا من القوة الصاروخية.

وتحقق لإسرائيل ذلك بعد الهجوم مباشرة، وازداد الوضع سوءا مع مرور السنوات، ومع مجيء عام 1969 لم يكن باستطاعة الجيش المصري صد أي عدوان جوي إسرائيلي، وبدأت الطائرات الإسرائيلية تلهو في سماء مصر كما يحلو لها، مما دفع جمال عبد الناصر لزيارة الاتحاد السوفياتي، وطلب قوات وآليات تساعد على دفع الاعتداءات الإسرائيلية.

مظاهرة عسكرية
شهادات القيادات العسكرية المصرية، وخاصة التي شاركت في هزيمة 67، تؤكد أن عبد الناصر أكد لهم مرارا أنه لا ينوي مهاجمة إسرائيل، وأن التصعيد الذي دشنه خلال شهر مايو/أيار 1967 ضد إسرائيل كان بغية تحقيق أهداف سياسية محددة.

لخصها من كتبوا عن هزيمة 67 في رغبة عبد الناصر في إسكات الإذاعات العربية المعادية التي ما فتئت تعيره بأنه تجرأ على إرسال قواته لليمن، في حين إسرائيل تعبث بأمن المنطقة وتهدد بدخول دمشق، ولا يستطيع ردها.

إلى جانب رغبته في حلحلة الوضع القائم منذ حرب السويس عام 1956 والذي استفادت منه إسرائيل بشكل كبير بحرية الملاحة في خليج العقبة، وفي تحجيم عدد القوات المصرية في سيناء.

يضاف إليها محاولة استرجاع شعبيته في العالم العربي وتكرار ما حدث عقب حرب 56 والتي خرج منها عبد الناصر بطلا عربيا.

شمس بدران
لكن الطرف الآخر لم يكن ينظر من المنظار نفسه للتطورات الجارية، حيث إن إسرائيل التي كانت تستعد لجولة ثانية مع مصر منذ 1956، لم تكن لتفوت الفرصة، خاصة وهي تعلم حالة الفوضى التي كان يعيشها الجيش المصري وقتئذ، بسبب حرب اليمن وكذلك تداعيات الصراع بين عبد الناصر وعامر، إلى جانب انعدام كفاءة وزير الدفاع شمس بدران، الذي عينه الرئيس مديرا لمكتب عامر للتجسس عليه كما أكد مقربون من عبد الناصر نفسه، في حين نجح عامر -صاحب الشخصية اللطيفة الآسرة- في كسبه لصفه، ولم يكن يتمتع بأي قيمة في العلم العسكري، وتطرح حوله علامات استفهام كثيرة.

وعلى سبيل المثال، فشمس بدران هو الذي بعث بإشارة من باكستان تطالب بتصعيد الموقف للرد على تهكم إذاعات عربية من عبد الناصر الذي لا يستطيع ردع إسرائيل لكن يستطيع قتال اليمينيين، كما أنه هو من أكد للرئيس أن قادة الاتحاد السوفياتي أكدوا له أنهم سيقفون إلى جانب مصر، وأنهم سيدمرون الأسطول الأميركي السادس ويجعلونه في "علب سردين"!

في حين أن السفير مراد غالب، الذي حضر لقاءات بدران مع القيادات السوفياتية، بعث لعبد الناصر مباشرة بعد تلك اللقاءات يؤكد أن السوفيات أكدوا أنهم لن يدخلوا الحرب، ونصحوا مصر بتخفيف التصعيد، وأن حديث مسؤول سوفياتي لبدران وهو يودعه أمام سلم الطائرة كان مجاملة خفيفة أعقبت لقاءات رسمية صريحة وحاسمة.

فوضى
ويؤكد عسكريون مصريون في كتبهم التي وثقت لتلك المرحلة، وبينهم جمال حماد وعبد اللطيف البغدادي، أنه بسبب الفوضى انتشرت المحسوبية والزبونية بين صفوف عدد من ضباط الجيش، وكان الولاء لعامر وبدران أساس الترقية والفوز بالامتيازات، وحكى حماد أن جنرالا شوهد في إحدى المرات وهو ينزع الحذاء لشمس بدران!

وكنتيجة طبيعية لهذه الفوضى، كان كبار الضباط الحاصلين على دورات في الاتحاد السوفياتي، ومشهود لهم بالكفاءة والجدية، ينقلون في الغالب لوزارة الخارجية وإلى سفارات بعيدة.

لقد سئل مراد غالب هل كان بالإمكان أن يتخلص عبد الناصر من عامر قبل 67؟ فأجاب: لا، وكذلك أجاب من كتبوا عن الهزيمة، وكيف استغلها الرئيس للتخلص من رفيق دربه المهزوم، الذي أوشك أن يقود انقلابا -بتحريض من قادته- ضد عبد الناصر بعيد الهزيمة، لكن الرئيس تغذى بهم قبل أن يتعشوا به.

بحسب التحليلات، كان عبد الناصر يأمل أن يتحقق له ذلك الهدف بأقل الخسائر، فيطيح بعامر، ويرد اعتباره عربيا بردع إسرائيل عن ضرب سوريا، لكن توقعه كان خاطئا، واستغلت إسرائيل الفرصة لسحق الجيش المصري، واحتلال سيناء كاملة، ومعها الجولان وغزة، وضرب القوات الأردنية، والأهم من ذلك كله احتلال القدس والأقصى.

المصدر : الجزيرة,مواقع إلكترونية